جمعية التحالف للإغاثة والتنمية: أكتوبر الوردي في غزة، حين يصبح الوصول إلى الرعاية الصحية تحديًا

يأتي أكتوبر من كل عام ليذكّر العالم بأهمية التوعية بـسرطان الثدي، وضرورة تعزيز الكشف المبكر، وتوفير الرعاية الصحية والدعم للنساء خلال مختلف مراحل الوقاية والتشخيص والعلاج.

لكن في غزة، لا تأتي هذه المناسبة في ظروف صحية طبيعية. فخلف الدعوات العالمية للتوعية والكشف المبكر، تواجه النساء واقعًا أكثر تعقيدًا فرضته سنوات الحصار، وتفاقمت تداعياته مع الحرب، حيث أصبح الوصول إلى الخدمات الصحية المتخصصة تحديًا يوميًا، وأصبح الحصول على الفحوصات والأدوية والعلاج والرعاية المستمرة أكثر صعوبة.

أكتوبر الوردي.. ما وراء التوعية

لا تقتصر قضية سرطان الثدي على نشر المعلومات حول المرض أو الدعوة إلى الفحص المبكر، فالكشف المبكر يحتاج إلى منظومة صحية قادرة على استقبال النساء، وإجراء الفحوصات اللازمة، وتوفير التشخيص الدقيق، ثم ضمان الوصول إلى العلاج والمتابعة.

وعندما تتعطل هذه السلسلة، لا يعود التحدي متعلقًا بوعي المرأة وحده، وإنما بقدرتها الفعلية على الوصول إلى الرعاية الصحية التي تحتاجها. وهنا تبرز خصوصية الواقع في غزة، حيث تتداخل الاحتياجات الصحية مع الظروف الإنسانية الصعبة.

النساء في غزة.. بين الحرب والاحتياج الصحي

عاشت النساء في غزة لسنوات طويلة في ظل ظروف إنسانية وصحية صعبة، فيما أدت الحرب إلى تعميق الضغوط على القطاع الصحي، وفرضت واقعًا أكثر قسوة على المرضى والنساء اللواتي يحتجن إلى خدمات صحية متخصصة.

ومع تضرر المنشآت الصحية، ونقص الموارد والمستلزمات الطبية، وصعوبة الوصول إلى بعض الخدمات، أصبحت رحلة المرأة من الاشتباه إلى التشخيص ثم العلاج أكثر تعقيدًا، ومحفوفة بعوائق إضافية.

فالمرأة التي تحتاج إلى فحص أو متابعة لا تحتاج إلى المعلومة فقط، بل تحتاج إلى مكان تستطيع الوصول إليه، وطواقم قادرة على تقديم الخدمة، وفحوصات متاحة، وأدوية وعلاج، ونظام صحي يستطيع متابعة حالتها بصورة مستمرة.

الحصار والحرب.. عندما يصبح الوصول إلى العلاج تحديًا

أثرت القيود المفروضة على قطاع غزة، إلى جانب تداعيات الحرب، على مختلف جوانب الحياة الصحية، ولم تقف آثار ذلك عند نقص الأدوية والمستلزمات الطبية، بل امتدت إلى قدرة المؤسسات الصحية على تقديم خدمات التشخيص والعلاج والمتابعة بصورة منتظمة.

وفي حالات الأمراض التي تحتاج إلى متابعة متخصصة ومستمرة، مثل سرطان الثدي، تصبح هذه التحديات أكثر حساسية. فالتشخيص المبكر يحتاج إلى الوصول في الوقت المناسب، والعلاج يحتاج إلى الاستمرارية، والمتابعة تحتاج إلى منظومة صحية قادرة على العمل وتقديم خدماتها.

وحين تتعرض هذه المنظومة للاضطراب، تواجه النساء أعباء إضافية لا ترتبط بالمرض وحده، وإنما بالظروف المحيطة به، وما تفرضه من صعوبات على رحلة العلاج والرعاية الصحية.

ليست كل امرأة قادرة على الوصول إلى الرعاية

في الظروف الطبيعية، قد تبدو الدعوة إلى إجراء الفحص أو مراجعة الطبيب خطوة بسيطة، لكن في غزة، قد تعني هذه الخطوة رحلة طويلة للبحث عن خدمة صحية متاحة، أو انتظارًا للحصول على موعد، أو مواجهة نقص في الأدوية والمستلزمات، أو الحاجة إلى تحويلة طبية أو علاج خارج القطاع.

وهذا الواقع يضع مسؤولية أكبر على المؤسسات الصحية والإنسانية، وعلى الجهات الفاعلة في القطاع الصحي، للعمل على تقليل هذه الفجوات وضمان وصول النساء إلى الخدمات التي يحتجن إليها، دون أن تتحول الظروف المحيطة إلى عائق إضافي أمام التشخيص والعلاج.

الرعاية الصحية حق وليست رفاهية

في أكتوبر الوردي، من المهم ألا نتحدث فقط عن أهمية الكشف المبكر، بل أن نتحدث أيضًا عن حق النساء في الوصول إلى الرعاية الصحية.

الوعي مهم، لكنه لا يكفي وحده. والدعوة إلى الفحص لا تكتمل إذا لم تكن الخدمات الصحية متاحة، كما أن الكشف المبكر يفقد جزءًا من أثره إذا لم تتوفر القدرة على التشخيص والعلاج والمتابعة.

لذلك، فإن دعم صحة النساء في غزة يتطلب تعزيز الخدمات الصحية، وتوفير المستلزمات والأدوية، ودعم الطواقم الطبية، وتحسين الوصول إلى الفحوصات والعلاج، وضمان استمرارية الرعاية للنساء المصابات أو اللواتي يحتجن إلى التقييم والمتابعة.

مسؤولية مشتركة تجاه صحة النساء

يمثل أكتوبر الوردي فرصة لتذكير المجتمع بأن صحة النساء مسؤولية تتجاوز الفرد والأسرة، وهي مسؤولية تشترك فيها المؤسسات الصحية والإنسانية، والجهات المحلية والدولية، وكل من يستطيع المساهمة في دعم الخدمات الصحية وتعزيز الوصول إليها.

وفي غزة، تكتسب هذه المسؤولية أهمية أكبر في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها القطاع. فمن الضروري أن تبقى احتياجات النساء الصحية حاضرة ضمن الاستجابة الإنسانية، وأن تحظى الأمراض المزمنة والسرطانات بالرعاية والاهتمام، إلى جانب الاستجابة للاحتياجات الطارئة التي فرضتها الحرب.

كما تبرز أهمية تعزيز الوعي الصحي، وتوفير المعلومات الموثوقة، وتشجيع النساء على طلب المشورة الطبية عند ملاحظة أي تغيرات غير معتادة، مع العمل على توفير الخدمات التي تتيح لهن الاستفادة الفعلية من الفحص والتشخيص والعلاج.

في أكتوبر الوردي.. نرفع الوعي ونؤكد الحق في الرعاية

في جمعية التحالف للإغاثة والتنمية، نؤمن بأن العمل الإنساني لا يقتصر على الاستجابة للاحتياجات العاجلة، بل يشمل أيضًا دعم الوعي الصحي، وتعزيز قدرة المجتمع على الوصول إلى الخدمات، والتأكيد على حق الإنسان في الرعاية الصحية الكريمة.

وفي أكتوبر الوردي، نقف إلى جانب نساء غزة، ونؤكد أهمية التوعية والكشف المبكر، وضرورة العمل على إزالة العوائق التي تحول دون حصول النساء على التشخيص والعلاج والمتابعة التي يحتجن إليها.

فالمرأة في غزة لا تحتاج إلى التعاطف وحده، بل تحتاج إلى رعاية صحية متاحة، ومعلومة موثوقة، وتشخيص في الوقت المناسب، وعلاج مستمر، وبيئة تحفظ كرامتها وتساندها في مواجهة المرض.

أكتوبر الوردي ليس شهرًا للتوعية فقط، بل تذكير بأن الوصول إلى الرعاية الصحية حق، وأن حماية صحة النساء مسؤولية لا ينبغي أن تتوقف في أوقات الأزمات.

 

اشترك في القائمة البريدية