تتكشف يومًا بعد يوم الآثار الكارثية للتدمير الواسع الذي خلّفته حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة. فحتى مع تراجع وتيرة القصف مقارنة ببداية الحرب، لا تزال حياة آلاف الفلسطينيين والفلسطينيات مهددة بسبب المباني المتصدعة والآيلة للسقوط، والركام الملوث، والذخائر غير المنفجرة، وغياب السكن الآمن.
بعد التدمير الواسع للمباني السكنية والأعيان المدنية، لم تجد آلاف العائلات سوى خيارين كلاهما ينطوي على الخطر: الإقامة في خيام مهترئة لا توفر الحماية، أو العودة إلى مبانٍ متضررة وغير صالحة للسكن.
لم تكن العودة إلى هذه المباني خيارًا طوعيًا، بل نتيجة مباشرة لانعدام البدائل، واستمرار الحصار، وتقييد إدخال مواد البناء ومعدات الإنقاذ، وتعطيل جهود إعادة الإعمار، في ظل ظروف إنسانية ومناخية بالغة القسوة.
ويعيش سكان هذه المباني تحت تهديد دائم؛ إذ يمكن أن تنهار فوقهم في أية لحظة، خصوصًا مع استمرار الغارات والاهتزازات الناجمة عنها، وغياب الفحوص الهندسية وأعمال التدعيم والإصلاح العاجل.
وفي هذا السياق، انهارت عمارة «السعادة» في منطقة شارع الصناعة غربي مدينة غزة فجر الأربعاء، 16 أيلول 2026. ووفق المعلومات المتاحة حتى وقت إعداد هذا البيان، أسفرت الحادثة عن استشهاد ما لا يقل عن 14 فلسطينيًا وفلسطينية، غالبيتهم من النساء والأطفال، وإصابة آخرين. كما أفاد الدفاع المدني بأن مصير نحو 100 شخص لا يزال مجهولًا تحت الأنقاض. وتبقى الحصيلة أولية وقابلة للارتفاع مع استمرار عمليات البحث والإنقاذ.
وتؤكد جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية أنه لا يمكن فصل انهيار المباني فوق سكانها عن حجم الدمار الذي أصاب قطاع غزة، ولا عن السياسات التي دمرت المساكن، وقيّدت إدخال المعدات، وعرقلت توفير البدائل الآمنة وإعادة الإعمار. لذلك، لا يجوز التعامل مع ما حدث باعتباره حادثًا عرضيًا أو منفصلًا عن السياق الأوسع للحرب والحصار.
وترى الجمعية أن استمرار الحصار الإسرائيلي، ومنع أو تقييد إدخال آليات الإنقاذ والمعدات الهندسية ومواد البناء، يفاقم الكارثة ويحوّل المباني المتضررة إلى خطر يومي على حياة المواطنين والمواطنات.
وتذكر الجمعية أن طواقم الدفاع المدني والإنقاذ في قطاع غزة، تعمل بإمكانات محدودة بدون الآليات الثقيلة اللازمة. وفي كثير من المواقع، يضطر أفرادها إلى إزالة الركام بأدوات يدوية لا تتناسب مع حجم الدمار، ما يقلل فرص الوصول إلى العالقين والعالقات وإنقاذهم/نّ في الوقت المناسب.
وبحسب تقرير قطاع الإيواء الصادر في آذار 2026، شملت عمليات التقييم 17,432 مبنى تضم أكثر من 91 ألف وحدة سكنية، صُنفت عشرات الآلاف منها مدمرة كليًا أو متضررة جزئيًا. وتوضح هذه الأرقام حجم الخطر، والحاجة الملحة إلى فحص المباني، وتدعيم ما يمكن إصلاحه، وإخلاء المباني شديدة الخطورة بعد توفير مساكن بديلة وآمنة لسكانها.
فجوة بين الخطاب الدولي وحماية المدنيين:
تكشف هذه الكارثة مجددًا الفجوة بين الخطاب الدولي بشأن حماية المدنيين والمدنيات، والواقع الذي يعيشه الفلسطينيون والفلسطينيات. فبينما تنهار المباني فوق العائلات ويُنتشل الضحايا من تحت الركام، يواصل المجتمع الدولي إصدار البيانات من دون اتخاذ إجراءات فعلية توقف الانتهاكات وتحمي السكان.
إن عدم وجود آليات ملزمة لتنفيذ الاتفاقات والتفاهمات المعلنة يعني، عمليًا، أن المدنيين/ات سيواصلون/يواصلن دفع الثمن من حياتهم/نّ وأمنهم/نّ، بينما تبقى حمايتهم/نّ التزامًا مؤجلًا على طاولة السياسة الدولية. ويضع هذا التقاعس الدول والمؤسسات القادرة على التدخل أمام مسؤولياتها السياسية والقانونية والأخلاقية.
وتذكر الجمعية أنه في التاسع عشر من تموز 2024، أصدرت محكمة العدل الدولية رأيها الاستشاري بشأن عدم قانونية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة، وما يترتب على ذلك من التزامات على إسرائيل والدول والأمم المتحدة. ولا يجوز أن يبقى هذا الرأي وثيقة قانونية بلا أثر؛ فقد حان الوقت للانتقال من الإدانة إلى المساءلة، ومن التوصيات إلى إجراءات عملية وملزمة.
كما أن ما يسمى «مجلس السلام»، الذي يقدم نفسه إطارًا لتحقيق السلام وإعادة إعمار قطاع غزة، يواجه مسؤولية مباشرة. فلا يمكن الحديث عن السلام بينما يموت المواطنون والمواطنات تحت الأنقاض، ولا يمكن لأية ترتيبات سياسية أن تكتسب المصداقية ما لم تضمن حماية السكان، ووقف الانتهاكات، وإدخال معدات الإنقاذ، وتوفير المأوى الملائم، والبدء الفعلي في إعادة الإعمار.
إعادة الإعمار حق وليست منحة سياسية
تؤكد الجمعية أن إعادة إعمار قطاع غزة ليست منحة إنسانية، ولا ورقة للمساومة أو وسيلة لفرض شروط سياسية على الشعب الفلسطيني. إنها حق يرتبط بالحق في الحياة والسكن الملائم والصحة والكرامة وتقرير المصير، وبحق المتضررين/ات في جبر الضرر والتعويض وضمان عدم تكرار الانتهاكات.
ويجب ألا تتحول إعادة الإعمار إلى وسيلة لفرض التهجير، أو تغيير التركيبة السكانية، أو مصادرة حقوق الفلسطينيين والفلسطينيات. وينبغي أن تتم بمشاركة السكان والمؤسسات الفلسطينية، وأن تعطي الأولوية للعائلات الأشد تضررًا، وللنساء والأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي/ذوات الإعاقة، وأن تضمن بقاء السكان على أرضهم وحقهم في العودة إلى مناطقهم ومساكنهم.
إن إجبار العائلات على الاختيار بين خيمة لا توفر الحماية ومبنى مهدد بالانهيار، يمثل انتهاكًا واضحًا للحق في الحياة والسكن الملائم والأمان، ويجعل التدخل الدولي العاجل واجبًا قانونيًا وأخلاقيًا لا يحتمل التأجيل.
واستنادًا إلى قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، والالتزامات الناشئة عن اتفاقيات جنيف، والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر عام 2024، تطالب جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية بما يلي:
- أن يتحمل مجلس الأمن الدولي مسؤولياته في حفظ السلم والأمن الدوليين، وأن ينتقل من الإدانة إلى الإنفاذ، بما في ذلك النظر في اتخاذ تدابير ملزمة بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة لحماية المدنيين/ات، ووقف الانتهاكات، وإزالة العوائق أمام وصول المساعدات ومعدات الإنقاذ والإعمار.
- الضغط على إسرائيل، القوة القائمة بالاحتلال، لرفع القيود المفروضة على إدخال آليات الإنقاذ ورفع الأنقاض والمعدات الهندسية ومواد البناء.
- إدخال المعدات الثقيلة اللازمة للبحث والإنقاذ وإزالة الأخطار فورًا ومن دون قيود.
- توفير مأوى بديل وآمن وكريم للعائلات قبل إخلاء المباني الخطرة.
- إنشاء قاعدة بيانات وخرائط محدثة للمباني المهددة بالانهيار، ونشر تحذيرات واضحة للسكان.
- السماح بدخول فرق دولية متخصصة في كشف الذخائر غير المنفجرة وإزالتها، وتوفير المعدات اللازمة لعملها.
- تمويل أعمال الترميم العاجل والإصلاحات الطارئة، خصوصًا قبل فصل الشتاء.
- حماية طواقم الدفاع المدني والإنقاذ، وضمان وصولها الآمن ومن دون عوائق إلى مواقع الانهيار.
- إطلاق عملية دولية عاجلة وشفافة لإعادة إعمار قطاع غزة، باعتبار الإعمار حقًا وجزءًا من جبر الضرر، وليس مساعدة مشروطة أو أداة للضغط السياسي.
- ضمان مشاركة المؤسسات الفلسطينية والمجتمعات المحلية، ولا سيما النساء والفئات الأكثر تضررًا، في تحديد أولويات الإعمار والإيواء والتعافي.
- وضع جدول زمني واضح لتنفيذ الالتزامات الدولية، مع آليات للرقابة والمساءلة عن أي تعطيل أو عرقلة.
وتؤكد الجمعية أن كارثة انهيار المباني في قطاع غزة لا تحتمل مزيدًا من البيانات غير الملزمة أو الوعود المؤجلة. فكل يوم يمر من دون إدخال المعدات، وتوفير المأوى الآمن، والبدء في إعادة الإعمار، يضع مزيدًا من العائلات أمام خطر الموت تحت أسقف كان يفترض أن تحميها.
