يستنكر مركز الميزان لحقوق الإنسان بأشد العبارات قرار وزارة الخزانة الأمريكية استئناف فرض العقوبات على المحكمة الجنائية الدولية، وما يمثله ذلك من مساس خطير باستقلال القضاء الدولي وعرقلة لعمل الجهة القضائية المختصة بإنفاذ قواعد القانون الدولي وتحقيق العدالة الدولية، وإنصاف ضحايا الجرائم الأشد خطورة التي عرفتها البشرية، والتي أجمعت الأمم المتمدنة[1] على ضرورة محاسبة مرتكبيها وعدم إفلاتهم من العقاب.
ويثير هذا القرار بالغ الاستنكار والدهشة لدى المركز، لا سيما أن الولايات المتحدة، بوصفها دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، والمسؤول عن صون السلم والأمن الدوليين، تستمر في فرض عقوبات على قضاة المحكمة الجنائية الدولية، ما يشكل تدخلاً سافراً في استقلال القضاء وإعاقة خطيرة لقدرة المحكمة على الاضطلاع بولايتها، ويهدد بإطالة أمد معاناة الضحايا وتقويض آمالهم في الوصول إلى العدالة والحماية، ويفتح الباب أمام إفلات مرتكبي الجرائم من المساءلة والمحاسبة، بما يقوض منظومة العدالة الدولية ويكرس منطق الإفلات من العقاب وشريعة الغاب على المستوى الدولي.
وبحسب متابعات مركز الميزان لحقوق الإنسان، أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية أمس الثلاثاء الموافق 18/8/2026، عقوبات جديدة طالت رئيسة المحكمة الجنائية الدولية السيدة توماكو أكاني، ونائب المدعي العام للمحكمة السيد عبد الله سي، وتقضي بتجميد أصولهم المالية، وعزلهم عن النظام المالي الأمريكي، ومنعهم من دخول الأراضي الأمريكية، في تجاوز خطير لتخوم صلاحياتها، واعتداء غير مشروع على النظام الدولي، الذي رسم الحدود الفاصلة بين حقوق الدول وواجباتها نحو احترام أحكام القانون الدولي، عبر الاتفاقيات العقدية الآمرة التي لا يجوز مخالفتها.
وتشكل العقوبات الجديدة، توسيعاً لنطاق العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية على المحكمة الجنائية الدولية وأجسام الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان الفلسطينية، والتي استهدفت في أوقات سابقة ستة قضاة هم: غوتشا لوردكيبانيدزه من جورجيا، وإردينيبالسورين دامدين من منغوليا، والقاضية الكندية كيمبرلي بروست، والقاضي الفرنسي نيكولا غيو، ونائبتا المدعي العام نازهات شميم خان من فيجي، ومامي ماندياي نيانغ من السنغال، إضافة إلى المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا باولا ألبانيز، وثلاث منظمات حقوقية فلسطينية هي، مركز الميزان لحقوق الإنسان، والمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، ومؤسسة الحق.
تأتي هذه العقوبات وما يزال الفلسطينيون في قطاع غزة، يتعرضون لأوسع حرب إبادة جماعية يشهدها التاريخ الحديث، والتي حصدت فيها قوات الاحتلال الإسرائيلي أرواح أكثر من (73000) فلسطيني، ودمرت أكثر من (80%) من مباني قطاع غزة، وسيطرت على نحو (70%) من جغرافيا قطاع غزة، وأبادت القطاعات الزراعية والصحية والثقافية والبيئية والبنى التحتية، وأجبرت الأحياء من السكان على العيش نازحين ومكدسين في خيام أشبه بالجحيم، وفي ظروف إنسانية غاية في القسوة بدون الحد الأدنى من مقومات الحياة الآدمية، وفرضت حصاراَ مشدداً على دخول المساعدات الإنسانية، ومنعت المرضى والجرحى من السفر لتلقي العلاج.
ولم يكن لحرب الإبادة الجماعية أن تستمر بهذا الشكل الوحشي، لولا تقاعس وتواطؤ المجتمع الدولي، لا سيما الدول المتنفذة والتي تحاول أن تمارس سطوتها على النظام الدولي، ولا سيما على الهيئات التي تمثل القانون الدولي، والركيزة الأساسية لمنظومة العدالة الدولية والمتعلقة بالمسائلة والمحاسبة، كالمحكمة الجنائية الدولية، الأمر الذي شجع دولة الاحتلال على المضي في جرائمها دون أي اعتبار لمنظومة العدالة.
مركز الميزان لحقوق الإنسان يؤكد أن مسار العقوبات الأمريكية يهدف إلى تحصين الجناة الإسرائيليين من العقاب، بالرغم من اقترافهم إبادة جماعية نقلتها وسائل الإعلام بالصوت والصورة في بث حي ومباشر، وفي الآن نفسه تشكل تقويضاً خطيراً لمنظومة العدالة الدولية، ولعمل المحكمة الجنائية الدولية بوصفها هيئة مستقلة ومحايدة وغير متحيزة، ومنعها من ممارسة ولايتها القانونية والقضائية، في وضع حد لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية وجريمة العدوان، وهو ما يشكل اختباراً جدياً للمجتمع الدولي لصون وحماية عهوده ومواثيقه، وضرورة التصدي لهذا المسار الخطير.
مركز الميزان إذ يستنكر العقوبات الأمريكية، فإنه يطالب الولايات المتحدة بالتراجع عنها بما في ذلك تلك الموجهة لقضاة المحكمة وأعضائها، والمقررة الخاصة فرانشيكسا ألبانيز والمؤسسات الحقوقية الفلسطينية، باعتبارها مؤسسات محايدة وتحتكم في عملها لأحكام القانون الدولي، كما يطالب المجتمع الدولي ببذل الجهود اللازمة لصون منظومة العدالة الدولية، وحماية المحكمة الجنائية الدولية وضمان حرية عملها، بوصفها جهة دولية محايدة تسعى إلى تحقيق العدالة الدولية، والتصدي للجرائم الأشد خطورة، وضمان توفير الحماية للفلسطينيين، ومحاسبة ومسائلة مقترفي جريمة الإبادة الجماعية ومن أمر باقترافها، ومن وفر الغطاء لها.
[1] بدأت لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة إعداد مسوداتها الأولى وإجراء المشاورات بشأن إنشاء محكمة متخصصة ودائمة في أوائل التسعينات، إلى أن أقرت الدول بموجب نظامها في روما 1998م، في خطوة تاريخية تروم إلى وضع حد للجرائم الأشد خطورة.
