أصدرت شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية ورقة سياسات جديدة تقدم رؤية استشرافية لمستقبل الأشخاص ذوي الإعاقة في سياق مسارات التعافي وإعادة الإعمار في قطاع غزة، وذلك في إطار التعاون والشراكات مع كل من المساعدات الشعبية النرويجية NPA والمساعدات الكنسية Christian Aid ضمن مشاريع الشراكات لتعريز الصمود وبناء قدرات منظمات المجتمع المدني الفلسطيني.
تشخص الورقة الآثار الكارثية لحرب الإبادة المستمرة منذ أكتوبر 2023 على قطاع غزة، وتقدم تحليلاً متعمقاً للتحول البنيوي في التركيبة السكانية للإعاقة في غزة. مع تقدير أن 25% من مجموع الإصابات (أكثر من 41,844 حالة) هي إصابات بليغة ومغيرة للحياة، وانهيار 94% من النظام الصحي، بالإضافة إلى تضرر 95% من المدارس تدعو الورقة بشكل عاجل إلى تطبيق نهج "إعادة البناء بشكل أفضل". والعمل على إيجاد إطار استراتيجي متكامل لإعادة هيكلة الأنظمة نحو العدالة والإدماج، وتحويل الأشخاص ذوي الإعاقة من متلقين للمساعدات إلى شركاء فاعلين في إعادة الإعمار، وفيما يلي الملخص التنفيذي للورقة:
تستعرض هذه الدراسة الرؤية الاستراتيجية لمستقبل الأشخاص ذوي الإعاقة في قطاع غزة ضمن مسارات التعافي وإعادة الإعمار، وذلك في ظل واقع إنساني هو الأكثر تعقيداً وكارثية في التاريخ الحديث نتيجة حرب أكتوبر 2023. فقد أحدثت هذه الحرب تحولاً بنيوياً في الخارطة الديموغرافية للإعاقة، حيث تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 25% من إجمالي الإصابات، أي ما يزيد عن 41,844 حالة، هي إصابات جسيمة مغيرة للحياة تتطلب تأهيلاً طويل الأمد، مما يضع المجتمع أمام تحدي "التضخم الهيكلي" في الطلب على الخدمات المتخصصة في وقت انهارت فيه المنظومة الصحية بنسبة 94%، وتوقفت مراكز التأهيل الحيوية عن العمل بشكل كامل.
وتكشف الدراسة عن ترابط عضوي بين الفجوات القطاعية؛ إذ لم يتوقف أثر الدمار عند الجانب الطبي، بل امتد ليعطل المسيرة التعليمية لنحو 608 ألف طالب وطالبة، من بينهم أكثر من 21 ألف من ذوي الإعاقة، في ظل تضرر 95% من المدارس. وتوضح الورقة أن الحلول المؤقتة، كالمساحات التعليمية في الخيام أو المنصات الرقمية، قد أعادت إنتاج أنماط الإقصاء لافتقارها لمعايير الوصول الشامل والتيسير المعقول، خاصة مع فقدان 83 % من الأشخاص ذوي الإعاقة لأدواتهم المساعدة أثناء النزوح، ومنع إدخال الأدوات المساعدة من قبل الاحتلال، مما جعل الوصول المادي والتربوي للتعليم شبه مستحيل. ويتوازى هذا مع واقع بيئي معادٍ يتسم بتدمير 70% من المباني وانتشار الركام، مما حول البيئة العمرانية إلى حاجز يحول دون الاستقلالية والحركة الآمنة، ويضاعف من العزلة الاجتماعية والضغط النفسي التراكمي.
وعلى الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، تُحلل الورقة الانهيار الشامل لقدرة الأسر على الصمود، حيث انكمش الاقتصاد بنسبة 83% ووصلت نسبة البطالة إلى 80%، مما جعل "كلفة الإعاقة" عبئاً استنزافياً للأسر التي باتت تعطي الأولوية للمستلزمات الطبية الباهظة على حساب الاحتياجات الأساسية الأخرى. وتنتقد الورقة نموذج الحماية الاجتماعية الحالي الذي يعتمد "الأسرة" كوحدة استهداف، ما أدى لإقصاء ذوي الإعاقة المستقلين أو غير المتزوجين، داعيةً إلى إصلاح تشريعي جذري يشمل قانون العمل وتفعيل نسبة تشغيل الـ 5% لتتلاءم مع الزيادة الكبيرة في أعداد المصابين. كما تولي الورقة اهتماماً خاصاً بالنساء ذوات الإعاقة اللواتي يواجهن "تمييزاً متقاطعاً" نتيجة انهيار منظومة العدالة وفقدان الوثائق الرسمية، مما يحرمهن من حقوق الحضانة والميراث والوصاية.
وبناءً على هذا التشخيص المعمق، تطرح الورقة إطاراً استراتيجياً متكاملاً للتعافي يرتكز على فلسفة "إعادة البناء بشكل أفضل " (Build Back Better)، وهي عملية لا تهدف لاستعادة الوضع السابق بل لإعادة هيكلة النظم لتكون أكثر عدالة وشمولاً. ويتطلب هذا الإطار مأسسة الحوكمة عبر "آلية تنسيق مختصة" تابعة للجنة إدارية عليا، واعتماد "أسئلة مجموعة واشنطن" في نظم البيانات لضمان الاستهداف القائم على الاحتياج الفعلي. وتخلص التوصيات إلى ضرورة دمج خدمات التأهيل ضمن الرعاية الصحية الأولية، وتحديث الكود الوطني للبناء ليكون الوصول الشامل متطلباً إلزامياً، وضمان انتقال الأشخاص ذوي الإعاقة من خانة "متلقي المساعدة الإغاثية" إلى موقع "الشريك الفاعل" في تقرير مصيرهم والمساهمة في إعادة إعمار مجتمعهم.
