يستنكر مركز الميزان لحقوق الإنسان بأشد العبارات استمرار قوات الاحتلال الإسرائيلي في حرب الإبادة بحق المدنيين في قطاع غزة، بالرغم من اتفاق وقف إطلاق النار وتفاهمات القاهرة الرامية إلى إنهاء الحرب والشروع في تنفيذ خارطة الطريق. ويؤكد المركز أن استمرار التصعيد الإسرائيلي، من خلال القصف المباشر وإطلاق النار المتعمد تجاه المدنيين واتجاه المناطق الشرقية من قطاع غزة، والتدمير الممنهج للبنية التحتية والأعيان المدنية في مناطق سيطرة قوات الاحتلال، واستمرار الحصار الخانق وحرمان السكان من أبسط مقومات الحياة والحق في الحصول على الرعاية الصحية، إلى جانب القيود المتعمدة على دخول المساعدات الإنسانية والإمدادات التجارية عبر المعابر، يعكس إصراراً على مواصلة استهداف المدنيين وتعميق معاناتهم، ويدفع القطاع نحو مستويات غير مسبوقة من الكارثة الإنسانية.
وبحسب المعلومات الميدانية، فقد استهدفت غارة جوية مجموعة من المواطنين على (تكتك) عند حوالي الساعة 17:45 من أمس الأربعاء 12/8/2026، قرب الدوار الغربي في بيت لاهيا شمال قطاع غزة ما أدى إلى استشهاد مواطن وإصابة آخرين. وفي نفس السياق، تستمر قوات الاحتلال في إطلاق النار من الآليات الحربية على مدار الأيام السابق تجاه المناطق الشرقية من قطاع غزة خاصة في مخيم البريج وسط قطاع غزة، حيث وصلت عدة إصابات مساء اليوم ذاته إلى مستشفى العودة إثر إصابتهم بأعيرة نارية وشظايا أعيرة، بالإضافة إلى إصابتين وصلتا مستشفى ناصر إثر إطلاق نار تجاههما من طائرة مسيرة (كواد كابتر)، في منطقة كراج رفح وسط خان يونس.
وبحسب وزارة الصحة الفلسطينية، فقد ارتفع عدد الشهداء إلى (1،260) شهيداً، و(4،154) مصاباً منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في شرم الشيخ ودخوله حيز التنفيذ بتاريخ 11/10/2025.[1]
أفاد المواطن (ر.ح) من سكان منطقة البريج وسط قطاع غزة، "متزوج ولدي خمس أطفال، ومنزلي فيه ما يقارب 50 نازح من أقاربي، نعيش في الشرق من محافظة دير البلح بالقرب من الخط الأصفر بسبب عدم وجود مكان بديل لي ولعائلتي، مازال إطلاق النار مستمر طوال اليوم في المناطق الشرقية وبشكل عشوائي تجاه منازلنا، ونخاف الخروج من المنزل جراء إطلاق النار العشوائي، وفي الليل تكون أصوات الدبابات قريبة جداً وتتحرك الآليات نحو منازلنا ثم تعود مرة أخرى، لازال الخوف يسيطر علينا وفي كل يوم تقريباً يصاب أحد الجيران أو المارين بسبب إطلاق النار".
هذا ويستمر تدهور الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة جراء مواصلة قوات الاحتلال الإسرائيلي عرقلة دخول المساعدات الإنسانية، حيث يواجه النازحون في قطاع غزة تدهوراً حاداً في الأوضاع الإنسانية، لا سيما البيئية والصحية داخل مخيمات النزوح المكتظة، نتيجة تراكم النفايات بالقرب منهم، وبسبب قلة مياه الشرب النظيفة، ومياه الاستخدام الشخصي، وعدم وجود بنية تحتية وشبكات صرف صحي، ما جعلها بيئة خصبة لانتشار القوارض والحشرات، وتتسبب في انتشار الآفات والأمراض، ما يشكل خطراً حقيقياً على حياة جميع السكان، لا سيما مع فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، ومنع دخول المواد الكيميائية اللازمة للسيطرة على هذه الحشرات والقوارض والآفات.
صرح فرحان حق المتحدث باسم الأمم المتحدة "إن الهجمات العسكرية الإسرائيلية في أنحاء قطاع غزة تواصل تعريض المدنيين الفلسطينيين للخطر وتزيد من حجم الاحتياجات الإنسانية. وأكد أن المدنيين والبنية التحتية المدنية يجب أن يحظوا بالحماية وفقاً لأحكام القانون الدولي الإنساني، ومن الضرورة السماح بإدخال نطاق أوسع من الإمدادات الأساسية والمعدات المتخصصة إلى قطاع غزة، من أجل توسيع هذه الخدمات المنقذة للحياة وتقليل المخاطر التي يواجهها المدنيون، بمن فيهم الأطفال".[2]
وقد أجرت مجموعة التغذية في الأمم المتحدة مسحاً في غزة بهدف بلوغ فهم أفضل لمستويات سوء التغذية في شتى أرجاء القطاع وغطى نحو 83 % من السكان، وخلص إلى أن 1.3% من الأطفال يعانوا من سوء التغذية الحاد، كما بلغت نسبة سوء التغذية لدى الأمهات 9.4% بين النساء غير الحوامل أو غير المرضعات، و7.2 % بين النساء الحوامل والمرضعات.[3]
كما يعاني 37.1% من الاسهال و31.9% من الحمى من الأطفال خاصه مع ارتفاع درجة الحرارة وقلة الأكل الصحي وعدم وجود مياه نظيفة صالحة للشرب أو الاستخدام. هذا ولا يحصل سوى 30.3 % من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ستة أشهر و23 شهراً على الحد الأدنى من التنوع الغذائي، ولا يحصل سوى 22.4 % منهم على الحد الأدنى المقبول من الغذاء.[4] وهذا لا يدل على انخفاض معدل سوء التغذية أو انتهائها، إلا أنه لم تحدث نتائج أكثر حدة، ولكن لا زال هناك تدني في التنوع الغذائي، وانتشار الأمراض خاصة عند الأطفال وعدم وجود بدائل أو مكملات غذائية للأطفال أو الأمهات والحاجة الى إدخالها وتحسين النظافة العامة، والمياه النظيفة.
أفادت المواطنة (ز.م)، وهي أم لأربعة أطفال ومسؤولة عن تلبية احتياجاتهم، قائلةً: "بكل صراحة، ما زلنا نعيش المجاعة رغم فتح المعابر والسماح بدخول بعض البضائع إلى قطاع غزة. وقبل بدء الهدنة وفتح المعابر، عاش جميع السكان ظروف المجاعة نتيجة انعدام المواد الغذائية ومنع إدخال البضائع بمختلف أصنافها، إلى جانب محدودية المساعدات الإنسانية وعدم كفايتها. أما الآن، ومع السماح بإدخال بعض البضائع، فقد امتلأت الأسواق بأصناف متعددة من المواد الغذائية، لكنني، وكثيرون غيري، لا نستطيع شراءها بسبب الارتفاع الكبير في أسعارها، وبسبب استنزاف ما كان لدينا من مدخرات وموارد مالية خلال سنوات الحرب والنزوح، حتى لم يعد لدينا ما يكفي لتلبية احتياجات أسرنا الأساسية".
وفي ظل استمرار أزمة الإيواء، لا تزال نحو 250 ألف أسرة تسكن في الخيام، 60% منها مهترئة لا تلبي متطلبات العيش الإنساني.[5] ولازال هناك عرقلة لدخول الكرافانات والتي لا تعتبر بديل عن إعادة الإعمار، ولكن هي متطلب مؤقت للانتقال من الخيام المهترئة التي لا تقي من العوامل الجوية ولا تحفظ الخصوصية.
ولا تزال سلطات الاحتلال تضع عراقيل لإدخال البضائع والمساعدات، حيث ينص اتفاق وقف إطلاق النار على دخول 600 شاحنة من المساعدات الإنسانية للقطاع بشكل يومي، في حين ما يدخل القطاع أقل بكثير مما هو متفق عليه ولا يلبي الحاجات الإنسانية، والنسبة الأكبر منها تكون للشاحنات التجارية وليست للمساعدات الإنسانية، كما أن الجانب الإسرائيلي يضع عراقيل أخرى تتمثل في إجراءات التدقيق والمراجعة وإرجاع لبعض الشاحنات.
مركز الميزان لحقوق الإنسان يدين بأشد العبارات الجرائم الإسرائيلية المتواصلة، واستهداف المدنيين والأعيان المدنية والبنية التحتية في قطاع غزة، ومنع وعرقلة دخول المساعدات، والدفع بمزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية والصحية كعقاب جماعي وكوجه من أوجه الإبادة الجماعية التي تواصلها قوات الاحتلال.
وعليه، يطالب المركز المجتمع الدولي بالتدخل الفاعل، والضغط على قوات الاحتلال لوقف جريمة الإبادة الجماعية، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية والوقود والمعدات الطبية وتوفير مستلزمات النظافة الشخصية والمواد الصحية للنازحين، وتوفير المياه النظيفة والصحية وتحسين أزمة الايواء.
----------------------------------------------------------------------------------------------------------
[3] تقرير الحالة الإنسانية، أوتشا.
