يدين مركز الميزان لحقوق الإنسان استمرار حرب الإبادة الجماعية على المدنيين في قطاع غزة للعام الثالث على التوالي، ويحذر المركز من كارثة إنسانية وصحية وبيئية وشيكة مع دخول فصل الشتاء، في ظل بقاء مئات آلاف النازحين في خيام متهالكة لا تقيهم برد الشتاء القارس ولا الأمطار والرياح، ولا توفر الحد الأدنى من مقومات الحياة الآمنة. ويترافق ذلك مع استمرار القيود على دخول المساعدات الإنسانية والوقود والمستلزمات الطبية، بما يفاقم من هشاشة المدنيين ويتركهم في مواجهة البرد والجوع والمرض دون وسائل حماية أو استجابة كافية، ما يضعهم أمام كارثة صحية واسعة النطاق، سيكون الأطفال والنساء وكبار السن والمرضى أول ضحاياها.
وتتفاقم خطورة دخول فصل الشتاء مع الانهيار الكامل للبنية التحتية، وتعطل شبكات الصرف الصحي، وتدفق مياه الأمطار واختلاطها بمياه الصرف الصحي وتراكم النفايات في مناطق النزوح، ما سوف يحول أماكن نزوح المدنيين إلى بيئة خصبة لانتشار الأمراض والأوبئة وسط نظام صحي منهك وغير قادر على التعامل مع موجات مرضية واسعة. إن ترك المدنيين لمواجهة البرد والمياه الملوثة والأمراض في خيام هشة، في ظل استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية، ينذر بكارثة صحية وبيئية متصاعدة، سيدفع المدنيون ثمنها من أجسادهم وصحتهم وحياتهم، ويجعل من حماية السكان المدنيين والاستجابة العاجلة لاحتياجاتهم مسؤولية لا تحتمل التأجيل.
هذا وبحسب منظمة اليونيسف، فلا يزال ما يقرب من (84%) من السكان أي أكثر من 1.76 مليون شخص يعيشون في مواقع نزوح مكتظة أو ملاجئ متضررة وغير كافية.[1]
وتشير أحدث تقديرات قطاع المأوى بأن 94% من سكان قطاع غزة يحتاجون إلى مساعدات في المأوى والمواد غير الغذائية، 58% يواجهون احتياجات حرجة أو كارثية في المأوى، 84% من الأسر تعاني قيوداً معيشية شديدة تشمل ضعف الحماية من الأحوال الجوية، وهناك ما لا يقل عن 11 طفلاً في قطاع غزة، بمن فيهم الرضع، قد توفوا بسبب انخفاض حرارة الجسم في العام الماضي.[2]
صرح جوناثان فيتش، الممثل الخاص لليونيسف “بالنسبة لمئات الآلاف من الأطفال، الشتاء ليس مجرد مصاعب موسمية، أشهر الشتاء تشكل تهديداً آخر لبقاء الأطفال ورفاههم"، الأطفال معرضون للخطر بشكل خاص. ويواجه الرضع والأطفال الصغار وأولئك الذين يعانون من ظروف صحية موجودة مسبقاً مخاطر متزايدة من انخفاض حرارة الجسم، والتهابات الجهاز التنفسي، والأمراض المنقولة بالمياه وغيرها من الأمراض التي يمكن الوقاية منها."[3]
في حين تشكل المباني والمنازل الآيلة للسقوط خطراً إضافيًا على حياة السكان والنازحين، في ظل استمرار وجود أعداد كبيرة من المنشآت المتضررة نتيجة الأضرار الواسعة التي لحقت بالمباني والبنية التحتية، (حيث انهار مبنى متضرر على رؤوس قاطنيه في مدينة غزة الأسبوع الماضي وأودى الحادث بحياة 21 مواطناً أغلبهم من الأطفال والنساء)، وتزداد خطورة هذه المباني مع اقتراب فصل الشتاء، إذ قد تؤدي الأمطار الغزيرة والرياح والرطوبة إلى تفاقم الأضرار الإنشائية القائمة، بما يرفع احتمالات انهيار أجزاء منها أو سقوطها، ويعرض حياة السكان والنازحين القريبين منها للخطر.
وبحسب آخر الاحصائيات، فأن عدد المباني الخطيرة تجاوز (2000) مبنى، منها أكثر من (250) مبنى بحاجة إلى إزالة كلية عاجلة بالمعدات الثقيلة، وأكثر من (870) مبنى بحاجة إلى إزالة جزئية بالعمالة والمعدات اليدوية. وحسب التوزيع الجغرافي فإن محافظة شمال غزة يوجد بها (أكثر من 520 مبنى خطر، منها 42 بحاجة لإزالة كلية و88 جزئية)، ومحافظة غزة (أكثر من 700 مبنى خطر، منها 112 بحاجة لإزالة كلية و490 جزئية)، والمحافظة الوسطى (أكثر من 300 مبنى خطر، منها 48 بحاجة لإزالة كلية و122 جزئية)، ومحافظة خان يونس (أكثر من 480 مبنى خطر، منها 48 بحاجة لإزالة كلية و180 جزئية). كما أن هناك (880) مبنى قيد الدراسة والتقييم.[4]
أفاد المواطن (م. د.) نازح في خان يونس، "نعيش في منزل آيل للسقوط، نعيش في خوف دائم، فالمبنى المتضرر لم يعد آمناً، ومع كل رياح قوية أو أمطار نشعر بالخطر ونخشى أن تسقط أجزاء منه علينا، لا نملك القدرة على إصلاح المنزل أو الانتقال إلى مكان أكثر أماناً، ونخشى أن يتحول فصل الشتاء إلى خطر إضافي على حياتي وحياة أطفالي، نحاول الآن الانتقال إلى خيمة بالمواصي خوفاً من سقوط المنزل خاصة بعد سقوط عمارة في غزة منذ أيام."
ومن جانب آخر تتفاقم ضغوط النظام الصحي بسبب تدمير شبكات المياه والصرف الصحي وغياب وسائل النظافة الصحية، وهي ضرورية للتخفيف من انتشار الأمراض وغيرها من مخاطر الصحة العامة، ويؤدي تدهور إدارة النفايات الصلبة والصرف الصحي إلى زيادة مخاطر الصحة العامة، فمنذ بداية سبتمبر وحتى 13 سبتمبر، أبلغ عما يزيد على (304,000) استشارة صحية في 217 موقعاً، وتمثل الأمراض المعدية 13% من جميع الاستشارات، وظلت التهابات الجهاز التنفسي الحادة الحالة الأكثر تكراراً، تليها الإسهال المائي الحاد والأمراض الجلدية. واستمرت حالات الإصابة بالقوباء (وهي عدوى جلدية بكتيرية شديدة العدوى تؤثر في المقام الأول على الرضع والأطفال الصغار) كما تم الإبلاغ عن حالة جديدة من الشلل الرخو الحاد، ليصل المجموع التراكمي إلى 21 حالة في عام 2026.[5]
مركز الميزان لحقوق الإنسان، إذ يجدد إدانته لاستمرار الإبادة الجماعية ومنع دخول المساكن المؤقتة ومستلزمات السكن للنازحين في قطاع غزة، والآليات الثقيلة، ومعدات البنية التحتية، خاصة في ظل قدوم فصل الشتاء، فإنه يحذر من كارثة إنسانية وصحية متصاعدة تهدد بانتشار الأمراض والأوبئة والبرد القارص الذي سيضع حياة المدنيين لا سيما الأطفال أمام خطر الموت برداً ومرضاً وسبب انهيار الأبنية السكنية.
ويؤكد المركز على ضرورة فتح المعابر بشكل فوري لإدخال المعدات والمواد اللازمة لمعالجة آثار المنخفضات الجوية القادمة، والحد من تدفق مياه الأمطار واختلاطها بشبكات الصرف الصحي المتعطلة، وتوفير بيئة أكثر أماناً للنازحين، لا سيما الأطفال، والنساء، وكبار السن، الذين يواجهون ظروفاً غير إنسانية تهدد حياتهم يومياً.
وعليه، يطالب المركز المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية تجاه سكان قطاع غزة، والتحرك العاجل لضمان حماية المدنيين في ظل استمرار حرب الإبادة الجماعية وسوء الأحوال الجوية القادمة في فصل الشتاء، وضمان فتح المعابر بشكل فوري ودائم لإدخال مواد الإيواء، والآليات الثقيلة، والمستلزمات الطبية وإعادة تأهيل البنية التحتية الأساسية للحفاظ على حياة المدنيين في قطاع غزة.
[2] بيان وزارة التنمية الاجتماعية
