أرسل الائتلاف الأهلي النسوي مذكرة إلى المجلس الأوروبي حول "إنفاذ التزامات الاتحاد الأوروبي بموجب القانون الدولي في مواجهة الاستيطان الاستعماري الإسرائيلي وتسليح ميليشيات المستوطنين في الأرض الفلسطينية المحتلة" موجهة إلى أنطونيو كوستا، رئيس المجلس الأوروبي
وفيما يلي نص المذكرة:
سعادة السيد أنطونيو كوستا، رئيس المجلس الأوروبي، الموقر
السيدات والسادة أعضاء البرلمان الأوروبي
تحية طيبة وبعد،
يتشرف الائتلاف الأهلي النسوي الفلسطيني لتطبيق قرار مجلس الأمن 1325 بأن يرفع إلى مقام مؤسسات الاتحاد الأوروبي هذه المذكرة، في ظل التصعيد غير المسبوق الذي تشهده الأرض الفلسطينية المحتلة، وفي ضوء التطورات القانونية الدولية الأخيرة، وفي مقدمتها الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الذي أكد عدم قانونية استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية وما يترتب على ذلك من التزامات قانونية على جميع الدول، ومن ضمنها عدم الاعتراف بالوضع غير المشروع الناشئ عن الاحتلال، وعدم تقديم أي عون أو مساعدة تسهم في استمراره، واتخاذ التدابير اللازمة لضمان احترام القانون الدولي. وانطلاقًا من المادة (21) من معاهدة الاتحاد الأوروبي، التي تجعل احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان وسيادة القانون أساسًا لسياسته الخارجية، فإننا نتطلع إلى أن يترجم الاتحاد الأوروبي هذه المبادئ إلى إجراءات عملية تتناسب مع جسامة الانتهاكات المرتكبة في الأرض الفلسطينية المحتلة.
تشهد الأرض الفلسطينية المحتلة تصاعدا غير مسبوق في المشروع الاستيطاني الاستعماري الإسرائيلي، يتمثل في التوسع المنهجي للمستوطنات القائمة وبناء أخرى جديدة، وتسريع الضم الفعلي للأرض الفلسطينية، وتسليح الجماعات الاستيطانية المتطرفة، بما فيها ما يعرف بـ”فتيان التلال”، وتوفير الغطاء الرسمي والسياسي والعسكري لها لارتكاب اعتداءات منظمة ضد الفلسطينيين والفلسطينيات. ولم يعد عنف المستوطنين مجرد أعمال فردية، بل تحول إلى سياسة دولة تهدف إلى فرض وقائع جديدة بالقوة وتقويض حق الشعب الفلسطيني، غير القابل للتصرف، في الحرية وتقرير المصير.
وتشكل هذه السياسات انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة، وانتهاكًا للقواعد الآمرة في القانون الدولي التي تحظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة ونقل سكان دولة الاحتلال إليها. كما تتعارض بصورة مباشرة مع قرارات مجلس الأمن، ولا سيما القرارات 242 (1967)، و446 (1979)، و465 (1980)، و2334 (2016)، التي أكدت عدم شرعية المستوطنات الإسرائيلية، ودعت جميع الدول إلى التمييز في تعاملاتها بين دولة إسرائيل والأرض الفلسطينية المحتلة، بما يحول دون الإسهام، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في استدامة المشروع الاستيطاني الذي ينتهك القانون الدولي.
إن قيام حكومة الاحتلال بتسليح المستوطنين وتحويلهم إلى ميليشيات بلباس مدني، تمارس العنف المنظم ضد الفلسطينيين والفلسطينيات، يشكل تصعيدًا خطيرًا لا يهدد الشعب الفلسطيني وحده، بل يقوض أسس النظام القانوني الدولي، ويعرض السلم والأمن الإقليميين والدوليين لمخاطر متزايدة، ويكرس سياسة الإفلات من العقاب، بما يتعارض مع مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة.
كما أن هذه الممارسات تقوض بصورة مباشرة أجندة المرأة والسلام والأمن التي أرسى دعائمها قرار مجلس الأمن 1325 والقرارات اللاحقة، والتي تقوم على الوقاية من النزاعات، وحماية النساء، وضمان مشاركتهن الكاملة والمتساوية في صنع السلام، ومعالجة الأسباب الجذرية للنزاعات. وفي الحالة الفلسطينية، لا يمكن تحقيق هذه الأهداف في ظل استمرار الاحتلال والاستيطان والعنف المنظم ضد الشعب الفلسطيني بكافة مكوناته، إذ أن إنهاء الاحتلال، وضمان المساءلة، واحترام حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، تمثل، مجتمعةً، شروطًا أساسية لتحقيق سلام عادل ودائم قائم على العدالة وسيادة القانون.
إن القضية المطروحة أمام الاتحاد الأوروبي اليوم لا تتعلق بحقوق الشعب الفلسطيني فحسب، وإنما تتعلق أيضًا بمستقبل النظام الدولي القائم على قواعد القانون. فالتغاضي عن الاستيطان الاستعماري، وتسليح الجماعات الاستيطانية المتطرفة، والاستيلاء على الأراضي بالقوة، يهدد المبادئ الأساسية التي قام عليها النظام الدولي، وفي مقدمتها عدم جواز السيطرة على الأراضي بالقوة، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وواجب مساءلة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي. كما أن استمرار التعامل الانتقائي مع قواعد القانون الدولي، واعتماد معايير مزدوجة في تطبيقها، لا يقوض فقط حقوق الشعب الفلسطيني، بل يضعف أيضًا مصداقية النظام القانوني الدولي، ويشجع على الإفلات من العقاب، ويقوض الثقة العالمية بسيادة القانون.
وانطلاقًا من هذه الاعتبارات القانونية، يدعو الائتلاف الأهلي النسوي الفلسطيني لتطبيق قرار مجلس الأمن 1325، مؤسسات الاتحاد الأوروبي إلى الوفاء بالتزاماتها القانونية من خلال الانتقال من سياسة الإدانة إلى سياسة المساءلة الفعلية، وفرض عقوبات محددة وفعالة على المسؤولين عن المشروع الاستيطاني، وعلى الأفراد والكيانات الضالعة في تمويل أو تسليح أو دعم الجماعات الاستيطانية المسلحة، بما فيها “فتيان التلال”، والتي صنفها الاتحاد الأوروبي نفسه كحركة إرهابية، وضمان التنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن 2334، بما يشمل الامتناع عن أي دعم اقتصادي أو مالي أو تجاري أو تقني يسهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في ترسيخ المستوطنات أو استدامة الاحتلال، ومراجعة اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل وربط أي امتيازات أو تعاون مستقبلي باحترام إسرائيل لالتزاماتها بموجب القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، ودعم آليات المساءلة الدولية، بما في ذلك المحكمة الجنائية الدولية وآليات الأمم المتحدة ذات الصلة، بما يضمن عدم إفلات مرتكبي الجرائم الدولية من العقاب، واتخاذ إجراءات عملية لتوفير الحماية للفلسطينيين والفلسطينيات، ولا سيما النساء والفتيات والمدافعات عن حقوق الإنسان في المناطق المستهدفة بالاستيطان والمعرضة لعنف المستوطنين، انسجامًا مع التزامات الاتحاد الأوروبي في إطار أجندة المرأة والسلام والأمن.
إن حماية النظام القانوني الدولي لا تتحقق بالإدانة اللفظية وحدها، وإنما بإعمال قواعد القانون الدولي بصورة متسقة ودون انتقائية أو ازدواجية في المعايير. وإن إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وتفكيك المشروع الاستيطاني الاستعماري، وضمان مساءلة مرتكبي الانتهاكات، واحترام حق الشعب الفلسطيني في الحرية وتقرير المصير، تمثل جميعها متطلبات قانونية وأخلاقية وسياسية لتحقيق سلام عادل ودائم، لأن السلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم إلا على إنهاء الاحتلال، وإعمال العدالة، واحترام القانون الدولي، بما يعزز السلم والأمن الإقليميين والدوليين ويحافظ على مصداقية النظام الدولي القائم على سيادة القانون.
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام،
الائتلاف الأهلي النسوي الفلسطيني لتطبيق قرار مجلس الأمن 1325
دولة فلسطين
آب 2026
