تتكشف يوماً بعد يوم فظائع الإبادة الجماعية التي لم تنفك تحصد أرواح الفلسطينيين في قطاع غزة، والتي لم يقتصر نطاقها على جغرافيا قطاع غزة فحسب، وإنما امتدت إلى السجون الإسرائيلية داخل دولة الاحتلال، بعد أن حوَّلتها إلى ساحة للموت وأصناف التعذيب الوحشي. وما يفاقم بواعث القلق والشعور بالخطر الداهم المحدق بالمعتقلين هو مضي سلطات الاحتلال في سياسة حجب المعلومات وإقصاء الرقابة الدولية، عن متابعة أوضاع المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، الأمر الذي يشير إلى وقوع انتهاكات جسيمة لأحكام القانون الدولي، تتعمد إخفائها.
وتتوالى المعلومات بين الحين والآخر عن وقوع حالات وفاة داخل السجون، لم تعرف أسبابها، غير أن الإفادات التي حصل عليها محامي المركز خلال زيارته لعدد من المعتقلين داخل السجون، والتي أظهرت أنماطاً وحشية وغير مسبوقة من التعذيب، فإنها ترفع درجات الشك في أن حالات الوفاة كانت بسبب القتل المباشر أو التعذيب المفضي للموت.
وبحسب متابعات مركز الميزان لحقوق الإنسان لأوضاع المعتقلين والمفرج عنهم، وما كشفت عنه صحيفة هآرتس العبرية يوم الجمعة 17/7/2026م، في أن جيش الاحتلال فتح عشرات التحقيقات بشأن وفاة معتقلين فلسطينيين أثناء احتجازهم، إلا أنها لم تُفضِ إلى تقديم لوائح اتهام بحق الجناة، رغم أن معظم الوفيات وقعت داخل مراكز الاحتجاز العسكرية، والتي تُوجد بها كاميرات مراقبة بشكل دائم، وعديد من الشهود من المعتقلين. وتشير معطيات التي جرى الحصول عليها في أعقاب طلبات للحصول على المعلومات تقدمت بها مؤسسات حقوقية؛ أنه من بين (57) تحقيقاً جنائياً فُتح بشأن حالات وفاة (56 من غزة ولبناني واحد)، تناولت سبعة منها وقائع إطلاق نار أفضت إلى مقتل أشخاص. ومن بين هذه الوقائع السبع، لا يعلم الجيش في حالتين منها حتى موعد وقوع الحادثة. كما أن الجيش لم يتمكن، في غالبية التحقيقات الجنائية، من تحديد أي مشتبه بهم.
وفي سياق منفصل، تمتنع سلطات الاحتلال عن الإفراج على (43) معتقل فلسطيني من سكان قطاع غزة، انتهت مدة أحكامهم بالسجن، والتي بلغ بعضها مدة (10) سنوات، وحولتهم للاحتجاز بناءً على "قانون المقاتل غير الشرعي"، وهو القانون الذي ينتهك بشكل صريح الحق في ضمانات المحاكمة العادلة، نظراً لكونه يُتيح الاحتجاز دون مسوغ قانوني، ودون توجيه لائحة اتهام أو تمكين المعتقل من الدفاع عن نفسه، وإنما يتم تمديد الاعتقال كل (6) أشهر ولأجل غير مسمى. وجدير بالذكر أن الكنيست الإسرائيلي صادق على "قانون المقاتلين غير الشرعيين"، في مارس/آذار 2002. ومنذ العام 2005 جرى تطبيقه على معتقلين من قطاع غزة فقط، وهي لا تكتفِ باحتجاز الفلسطينيين كرهائن بل كفئران تجارب وسط صمت العالم.
مركز الميزان لحقوق الإنسان يؤكد أن استمرار احتجاز المعتقلين الفلسطينيين التي انتهت مدة أحكامهم، يُعد من قبيل الحجز غير المشروع، الذي ينتهك أحكام القانون الدولي، وبخاصة المعايير الدولية ذات العلاقة في ضمانات المحاكمة العادلة.
ويرى مركز الميزان في انتهاء التحقيقات بشأن وفاة المعتقلين الفلسطينيين، دون تقديم لوائح اتهام وأحكام قضائية لمحاسبة الجناة، يُكرس سياسة دولة الاحتلال الرامية للالتفاف على ولاية المحكمة الجنائية الدولية التكميلية، من خلال فتح تحقيقات صورية لقطع الطريق أمام تلك المحكمة، ويُدلل على سلامة مواقف المركز وغيره من المنظمات غير الحكومية الفلسطينية والإسرائيلية السابقة، في أن المنظومة القضائية الإسرائيلية تتواطأ مع مرتكبي الجرائم الإسرائيلية، وفي أنها لا تمتلك شروط استقلال القضاء ولا سيما الحيادية والنزاهة والفاعلية، الأمر الذي يُنذر باتساع دائرة الجرائم، وترسيخ ظاهرة الإفلات من العقاب، ويُضاعف من وتيرة القلق الشديد على حياة المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية.
مركز الميزان لحقوق الإنسان، يستنكر بأشد العبارات الانتهاكات والجرائم الإسرائيلية، ويُكرر دعوته للمجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية تجاه مقترفي الجرائم الإسرائيلية ومن أمروا باقترافها، ويوجه نداءً عاجلاً للهيئات الدولية القائمة على إنفاذ أحكام القانون الدولي، لاتخاذ الإجراءات اللازمة، وبخاصة إجراء تحقيقات مستقلة ومحايدة، للكشف عن ملابسات وفاة المعتقلين، وتبني القرارات المؤثرة التي من شأنها وقف المسلسل الوحشي للانتهاكات الإسرائيلية، وضمان حق الضحايا في الانتصاف وجبر الضرر، وعدم إفلات الجناة من العقاب.
