بمناسبة اليوم العالمي للعدالة الجنائية الدولية، الميزان يؤكد على أهمية ملاحقة مجرمي الحرب ومواصلة الكفاح ضد الإفلات من العقاب وصون منظومة العدالة الدولية

يحيي العالم في 17 يوليو/ تموز اليوم العالمي للعدالة الجنائية الدولية، إحياءً لذكرى اعتماد نظام روما الأساسي عام 1998، وهي المعاهدة المؤسسة للمحكمة الجنائية الدولية، التي تضطلع بدور محوري في ملاحقة مرتكبي أخطر الجرائم الدولية، بما في ذلك الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجريمة العدوان، بما يسهم في حماية المدنيين وترسيخ سيادة القانون.

يأتي اليوم العالمي للعدالة الجنائية الدولية هذا العام، في الوقت الذي تواصل فيه سلطات الاحتلال إبادتها الجماعية للفلسطينيين منذ أكثر من عامين ونصف، وحصدت فيها حتى الآن أرواح أكثر من (73000) فلسطيني/ة، وأزالت عن الخارطة محافظات ومدن بأكملها، ودمرت حوالي (80%) من المباني والأعيان المدنية بما في ذلك القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والصحية والبنى التحتية.

وأجبرت ما تبقى من الفلسطينيين على العيش في حوالي (30%) من المساحة الإجمالية لقطاع غزة، يسكن غالبيتهم في خيام أشبه بالجحيم، ولا يتوافر فيها الحد الأدنى من مقومات الحياة الآدمية مع تفشي الأمراض والأوبئة، وتزايد أعداد المفقودين، في واحدة من أبشع حروب الإبادة الجماعية التي شهدها العصر الحديث، ووسط تخلي النظام الدولي القائم عن واجباته وأدواره بموجب أحكام القانون الدولي، ولا سيما في إنقاذ الأشخاص المدنيين المحميين بموجب القانون الدولي، والتي ما تزال آلة الحرب الإسرائيلية الهمجية تحصد أرواحهم.

لم يكن لحرب الإبادة الجماعية أن تستمر بهذا الشكل الوحشي، لولا تقاعس وتواطؤ المجتمع الدولي، لا سيما الدول المتنفذة والتي تحاول أن تمارس سطوتها على النظام الدولي، ولا سيما على الهيئات التي تمثل القانون الدولي، والركيزة الأساسية لمنظومة العدالة الدولية والمتعلقة بالمسائلة والمحاسبة، كالمحكمة الجنائية الدولية، والمقررين الخاصين لحقوق الإنسان التابعين للأمم المتحدة، ومنظمات حقوق الإنسان، الأمر الذي شجع دولة الاحتلال على المضي في جرائمها دون أي اعتبار لمنظومة العدالة.

ففي سياق محاصرة المحكمة وتقويض العدالة الدولية، تعهد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مؤخراً بتفكيك المحكمة الجنائية الدولية، معتبراً أنها تشكل تهديداً للسيادة الأمريكية، وأعلن عن إطلاق حملة دبلوماسية للضغط على الدول الأخرى للانسحاب من المحكمة، متوعداً بفرض عقوبات وحظر سفر على موظفيها.

وقد وسعت الولايات المتحدة نطاق العقوبات المفروضة المتعلقة بالمحكمة الجنائية الدولية، بعدما كانت قد استهدفت في وقت سابق قاضيين هما غوتشا لوردكيبانيدزه من جورجيا وإردينيبالسورين دامدين من منغوليا، إضافة إلى المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا باولا ألبانيز، وثلاث منظمات حقوقية فلسطينية هي، مركز الميزان لحقوق الإنسان، والمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، والحق.

كما أعلنت الولايات المتحدة فرض عقوبات على أربعة مسؤولين حاليين في المحكمة الجنائية الدولية، هم القاضية الكندية كيمبرلي بروست، والقاضي الفرنسي نيكولا غيو، ونائبتا المدعي العام نازهات شميم خان من فيجي ومامي ماندياي نيانغ من السنغال، مبررةً القرار بأنهم شاركوا بصورة مباشرة في إجراءات تحقيق أو ملاحقة قضائية ضد أشخاص تعتبرهم واشنطن وإسرائيل مشمولين بالحماية، في إطار ما وصفته بـالجهود الخبيثة للمحكمة ضد الولايات المتحدة وإسرائيل.

ومع توفير الحصانة لمرتكب الإبادة الجماعية، يفقد المدنيون الفلسطينيون حمايتهم التي أقرها القانون الدولي ويصبحون عرضة للموت كل يوم، وتصبح دولة الاحتلال أكثر جرأة في المجاهرة بجرائمها، حيث لا يتورع المسئولون الإسرائيليون في الإعلان عن مخططاتهم لتدمير شعب بأكمله في قطاع غزة، والاستيلاء على أراضي الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس، وكان آخر تلك التصريحات، تصريح وزير الحرب الإسرائيلي إسرائيل كاتس بتاريخ 13/7/2026، للقناة 14 الإسرائيلية خلال جولة في شمال قطاع غزة: (أفتخر بالدمار الذي حدث، وهذا يمنحني شعور جيد، وأنوي إقامة (3) بؤر استيطانية ذات طابع عسكري في قطاع غزة).

حتى بعد إتفاق شرم الشيخ ووقف إطلاق النار بتاريخ 11/10/2025، تتواصل الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين، وقتلت قوات الاحتلال (1110) فلسطينياً وأصابت (3599)، وتواصل أعمال التجريف والقصف المدفعي وإطلاق النار في المناطق الشرقية لقطاع غزة، هذا إلى جانب استمرار اعتقالها لآلاف الفلسطينيين دون محاكمة أو توجيه لوائح اتهام بحقهم، وإخضاعهم للتعذيب المميت، والظروف المعيشية القاسية، وتتضاعف محنة عوائل الأشخاص المفقودين، ويستمر احتجاز الجثامين.

لقد وضع نظام روما الأساسي الذي أنشأت بموجبه المحكمة الجنائية الدولية، لمحاسبة مرتكبي أخطر الجرائم الدولية، مثل الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة العدوان، بهدف إنهاء الإفلات من العقاب، وتعزيز العدالة الدولية، وحماية حقوق الضحايا، إلا أن منظومة العدالة الجنائية الدولية تواجه اليوم ضغوطاً متزايدة تستهدف استقلالها، وذلك عندما يتعلق الأمر بجرائم الاحتلال الإسرائيلي، وازدواجية وانتقائية في الاستجابة الدولية، التي كانت أكثر حزماً في بعض النزاعات، مثل الحرب في أوكرانيا، مقارنة بما يحدث بحق الفلسطينيين.

وعلى المجتمع الدولي، ولا سيما دول الاتحاد الأوروبي، أن يدركوا بأن الخطر حقيقي سوف يطال كل المطالبين بالمحاسبة والعدالة وأي تقاعس الآن أو التكيف مع قرارات الإدارة الأمريكية سوف يكون له تداعيات على الجميع دون استثناء، وأن المطلوب فوراً هو حماية المحكمة والقضاة والمقرر الخاص للأراضي الفلسطينية المحتلة، ومؤسسات حقوق الإنسان الفلسطينية التي تعرضت للعقوبات، وتمكينهم من القيام بعملهم وتعزيز التعاون معهم، فالمطلوب ليس فقط التصامن بل خطوات عملية للحفاظ على منظومة العدالة الدولية.

مركز الميزان لحقوق الإنسان يؤكد في اليوم الدولي للعدالة الجنائية الدولية، على أن استمرار تغييب العدالة وحرمان الفلسطينيين منها، سوف يدفع إلى اتساع دائرة الجرائم وازدياد معدلات الضحايا، ويحول هذا المكان من العالم، إلى ساحة للموت والمعاناة، وسيبقى دليلاً يوثق في سجلات التاريخ عن عجز وفشل النظام الدولي عن القيام بواجباته، وتقاعسه في إنقاذ أرواح المدنيين، وعرقلة ولاية القضاء الدولي، لا سيما المحكمة الجنائية الدولية.

ويدين المركز كافة أنواع العقوبات والإجراءات، المتعلقة بقضاة المحكمة، ويدعو إلى تمكينها من الاستمرار في عملها، باعتبارها محكمة مستقلة وغير متحيزة، وصاحبة الولاية في تأمين العدالة الجنائية. فهذا اليوم هو مناسبة مهمة لتجديد الالتزام العالمي بمبادئ العدالة والمساءلة، ودعم حقوق الضحايا، وتعزيز الجهود الرامية إلى منع الجرائم التي تهدد السلم والأمن الدوليين. كما يؤكد المركز على أهمية التعاون الدولي في مكافحة الإفلات من العقاب وبناء عالم تسوده العدالة والكرامة الإنسانية واحترام حقوق الإنسان.

ويطالب المركز المجتمع الدولي إلى تحمل مسئولياته القانونية والأخلاقية، تجاه الضحايا في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ويطالب بتمكين الفلسطينيين من الوصول للعدالة، وتأمين حقهم في الانتصاف وجبر الضرر، وتفعيل أدوات المسائلة والمحاسبة تجاه مرتكبي الإبادة الجماعية في قطاع غزة، وإنهاء سياسة الإفلات من العقاب، ووضع حد للجرائم الإسرائيلية الوحشية، وإلزامها على احترام أحكام القانون الدولي. كما يطالب الأطراف السامية الموقعة على اتفاقية جنيف الرابعة، والهيئات القائمة على إنفاذ أحكام القانون الدولي، والأجسام الدولية الأخرى المتخصصة، إلى اتخاذ الإجراءات المؤثرة، لإنهاء معاناة الضحايا، وإيقاف آلة الحرب الإسرائيلية.

اشترك في القائمة البريدية