يدين مركز الميزان لحقوق الإنسان بأشد العبارات استمرار قوات الاحتلال الإسرائيلي في ارتكاب جرائمها الممنهجة في سياق حرب الإبادة الجماعية المتواصلة على قطاع غزة وتصعيدها ضد المدنيين ما تسبب في ارتفاع أعداد الشهداء إلى ما يزيد عن (10) شهداء خلال 24 ساعة الماضية، و(1,110) شهيداً، و(3,599) مصاباً منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في شرم الشيخ ودخوله حيز التنفيذ بتاريخ 11/10/2025. كما تدفع بالأوضاع الإنسانية نحو مستويات كارثية غير مسبوقة، لا سيما في القطاع الصحي حيث تواصل استهداف البنية التحتية بشكل منظم ومتعمد، بما في ذلك المرافق الخدمية والصحية، وتستمر في تهجير سكان القطاع، وتجبر آلاف العائلات على النزوح والبقاء في أماكن غير مهيأة وسط اكتظاظ شديد في مراكز النزوح والخيام، وتمنع دخول المساعدات الإنسانية والمستلزمات الطبية، ما فاقم من الأوضاع الصحية.
وقد أدى ذلك إلى تفشي الحشرات والقوارض والمكاره الصحية بصورة خطيرة داخل مناطق النزوح والتجمعات السكانية، في ظل غياب المياه النظيفة ووسائل النظافة والخدمات الأساسية، الأمر الذي يهدد حياة المدنيين بكارثة صحية وإنسانية متفاقمة ما لم يتم التدخل العاجل والفوري خاصة مع دخول فصل الصيف والارتفاع الشديد في درجات الحرارة.
حيث شهد قطاع غزة خلال الفترة الأخيرة انتشاراً واسعاً لمرض جدري الماء، وهو مرض شديد العدوى، في ظل ظروف إنسانية وصحية بالغة الصعوبة، فخلال أسبوعين فقط، جرى الإبلاغ عن أكثر من (9,300) إصابة في 130 منشأة صحية، تركز نحو نصفها في محافظة خان يونس. ويأتي هذا الارتفاع في أعداد الإصابات في بيئة تتسم بالنزوح الجماعي والاكتظاظ الشديد، إلى جانب التدهور المستمر في خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة، وارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف، وصعوبة الوصول إلى مياه شرب آمنة، ومحدودية توافر الصابون، وتراكم النفايات الصلبة.[1]
وتسهم هذه العوامل مجتمعة في زيادة احتمالات انتقال الأمراض السارية وتفاقم المخاطر الصحية، لا سيما مع الانتشار الواسع للقوارض والطفيليات الخارجية، التي تنتشر في نحو 83% من مواقع النزوح، مما يزيد من احتمالية تفشي الأمراض بين السكان، ويحذر الأطباء من أن الظروف الحالية قد تزيد من احتمالية حدوث مضاعفات خطيرة للمرض مثل التهابات الرئتين والدماغ، والتي كانت نادرة الحدوث قبل انهيار المنظومة الصحية.
أفاد المهندس أحمد سهيل أبو عبدو، استشاري إدارة مشاريع إنسانية لدى بلدية غزة: "تجاوزت درجات الحرارة في قطاع غزة خلال الأسابيع الماضية 38–40 درجة مئوية، في وقت يقيم فيه نحو مليون شخص داخل خيام تفتقر إلى العزل الحراري، مما يعرضهم لمخاطر صحية جسيمة. كما يفاقم تراكم أكثر من 57 مليون طن من الركام، الذي يحتوي جزء منه على مواد خطرة، من تدهور البيئة وانتشار القوارض والحشرات. وتتزامن هذه الظروف مع شح المياه، وتدهور خدمات الصرف الصحي، وعجز البلديات عن إزالة الركام أو تقديم الخدمات الأساسية، مما يحول موجات الحر إلى أزمة صحية وإنسانية مركبة، خاصة للفئات الأكثر ضعفًا. ويزداد الوضع سوءًا بسبب استمرار القيود التي تعيق إدخال المعدات والوقود وقطع الغيار اللازمة لاستعادة الحد الأدنى من الخدمات الأساسية."
وقد أسهمت تجمعات مياه الصرف الصحي في الشوارع، وتراكم النفايات الصلبة، ووجود المياه الراكدة، إلى جانب التدهور الحاد في خدمات الصرف الصحي، وافتقار الأسر إلى أوعية آمنة ومناسبة لتخزين المياه، في خلق بيئة مناسبة لانتشار الأمراض والأوبئة. وفي ظل ارتفاع درجات الحرارة، وانقطاع التيار الكهربائي، وغياب وسائل التبريد، تتضاعف المخاطر الصحية، حيث يزيد التعرض المستمر للحرارة والتعرق، في ظل محدودية الوصول إلى المياه النظيفة ومستلزمات النظافة الشخصية، من معدلات الإصابة بالأمراض الجلدية، بما في ذلك الطفح الجلدي، والالتهابات الفطرية والبكتيرية، وارتفاع خطر الإصابة بحروق الشمس والإجهاد الحراري، خاصة بين الأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الأمراض المزمنة.
أفادت (ن، ش) والدة الطفلة شام وتبلغ من العمر 6 سنوات، نازحة في خان يونس_ مواصي القرارة منذ عامين: "تعاني طفلتي من انتشار حبوب على جسدها بشكل كامل وحاولنا علاجها أكثر من مرة دون جدوى، وتنتشر هذه الحبوب في فصل الصيف وقلة المياه النظيفة وأدوات التنظيف، ومن ثم ارتفعت درجة حرارتها وذهبنا بها إلى النقطة الطبية في المنطقة وفحصها الطبيب ووجد أن هذه الحبوب عباره عن جدري وتحتاج إلى أدوية ورعاية خاصة، وانتقل المرض فيما بعد إلى أخيها الأصغر وأولاد أعمامها بسبب العيش في نفس المكان واستخدام نفس الحمام والأدوات وعدم القدرة على عزلها في الخيمة ولا يوجد مكان منفصل أو طرق بديلة".
وقد انعكست هذه الظروف بصورة مباشرة على تدهور الوضع الصحي للسكان، وأدت إلى زيادة الطلب على الخدمات الطبية في وقت تعاني فيه المرافق الصحية من نقص حاد في الموارد والإمكانات، الأمر الذي يفاقم الأزمة الصحية ويزيد من احتمالية انتشار الأمراض المرتبطة بتدهور البيئة والصحة العامة. وتتفاقم هذه الأوضاع في ظل القيود المفروضة على إدخال المعدات والآليات والمواد الأساسية اللازمة لإزالة النفايات، وتشغيل شبكات المياه والصرف الصحي، وتنفيذ أعمال الاستجابة الطارئة، مما يحد بشكل كبير من قدرة الجهات المختصة والمنظمات الإنسانية على الحد من المخاطر البيئية والصحية وحماية السكان المدنيين.
أفادت السيدة (ن.ح) والتي تبلغ من العمر 29 عام وحامل في الشهر السابع ولديها طفلين، "نعاني بشكل كبير مع ارتفاع درجة الحرارة حيث لا يوجد كهرباء ولا مياه نظيفة في المخيم الذي ننزح فيه، لا يوجد مراوح ولا بطاريات وطول النهار في خوف متكرر على الأطفال نتركهم بدون ملابس او غسلهم بالمياه الباردة خوفاً عليهم من الأمراض والحرارة الشديدة".
كما أن استمرار منع أو تقييد دخول المستلزمات والمعدات الضرورية لعمليات الإغاثة والإنقاذ وإعادة تأهيل البنية التحتية الحيوية يقوض جهود الحد من المكاره الصحية، ويؤخر تنفيذ التدخلات العاجلة الرامية إلى الحد من انتشار الأمراض وتحسين الظروف المعيشية، الأمر الذي يفاقم معاناة المدنيين ويزيد من تعرضهم للمخاطر الصحية والإنسانية.
مركز الميزان لحقوق الإنسان يدين بشدة استمرار جرائم قوات الاحتلال في سياق حرب الإبادة الجماعية، واستمرارها في دفع قطاع غزة نحو كارثة صحية غير مسبوقة من خلال منع دخول الأدوية والمستلزمات الطبية ما فاقم من الأوضاع الصحية للمدنيين وساهم في تفشي الأمراض المعدية والخطيرة.
وعليه، يطالب المركز المجتمع الدولي بالتدخل لوقف جريمة الإبادة الجماعية، والسماح بدخول المعدات الطبية ومبيدات مكافحة الآفات بما يشمل المبيدات ومواد مكافحة القوارض، وتوفير مستلزمات النظافة الشخصية والمواد الصحية للنازحين، وتوفير المياه النظيفة، ودعم التدخلات الطارئة لإزالة النفايات الصلبة وإدارة مياه الصرف الصحي.
