أكد المستشار القانوني علاء بدارنة أن حماية الحيز المدني في فلسطين تتطلب أكثر من مجرد نصوص دستورية، مشددا على أن نجاح أي دستور فلسطيني مستقبلي مرتبط بقدرته على ضمان حرية التعبير والتجمع والمشاركة السياسية عملياً، لا نظرياً فقط، في ظل استمرار الاحتلال والانقسام السياسي والأزمات الاقتصادية.
جاء ذلك خلال حلقة جديدة من منصة "مواطنات" التي أطلقتها جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية بالشراكة مع شبكة وطن الإعلامية، والتي ناقشت واقع الحيز المدني الفلسطيني والتحديات التي تواجه مؤسسات المجتمع المدني، إضافة إلى الدور المنتظر لمسودة الدستور الفلسطيني في حماية الحقوق والحريات العامة.
الحيز المدني.. ركيزة للصمود الوطني
وأوضح المحامي والمستشار القانوني علاء بدارنة أن الحيز المدني يشكل المساحة التي تمكن المواطنين من التعبير عن آرائهم وتنظيم أنفسهم في مؤسسات وجمعيات ونقابات والمشاركة في الشأن العام، مؤكداً أن المجتمع المدني الفلسطيني يتمتع بخصوصية تاريخية جعلته أحد أعمدة الصمود الوطني قبل قيام السلطة الفلسطينية وبعدها.
وقال بدارنة إن مؤسسات المجتمع المدني لعبت دوراً محورياً في تقديم الخدمات والدفاع عن الحقوق الوطنية والاجتماعية، خاصة خلال فترات غياب الأطر الرسمية أو تعثرها، مشيراً إلى أن الجمعيات الفلسطينية ساهمت لعقود في دعم التعليم والصحة والتنمية وحماية الفئات المهمشة.
قيود قانونية وإدارية
ورغم الحيوية التي يتمتع بها المجتمع المدني الفلسطيني، أشار بدارنة إلى وجود تحديات متزايدة تواجه عمل المؤسسات الأهلية، تتعلق بالإجراءات القانونية والإدارية وقيود التسجيل والحسابات البنكية، إضافة إلى تأثيرات الاحتلال الإسرائيلي التي طالت العديد من المؤسسات الحقوقية والتنموية.
وأكد أن غياب المجلس التشريعي المنتخب خلال السنوات الماضية أضعف منظومة الرقابة والمساءلة، ما زاد من أهمية الدور الذي تؤديه مؤسسات المجتمع المدني في متابعة السياسات العامة والدفاع عن الحقوق والحريات.
مناطق (ج).. المجتمع المدني يملأ فراغ الدولة
وفيما يتعلق بالمناطق المصنفة (ج)، أوضح بدارنة أن القيود الإسرائيلية المفروضة على هذه المناطق جعلت مؤسسات المجتمع المدني في كثير من الأحيان الجهة الأكثر قدرة على الوصول إلى المواطنين وتقديم الخدمات الأساسية.
وأشار إلى أن التجمعات البدوية والمناطق الريفية المهددة بالمصادرة والتهجير أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على المبادرات الأهلية والمؤسسات المدنية في مجالات التعليم والصحة والدعم الزراعي والقانوني، مؤكداً أن هذه المؤسسات باتت تشكل خط دفاع أساسياً في مواجهة سياسات التوسع الاستيطاني.
وأضاف أن تعزيز الشراكة بين الحكومة الفلسطينية ومؤسسات المجتمع المدني أصبح ضرورة ملحة لضمان وصول الخدمات إلى الفئات الأكثر تهميشاً وحماية صمود المواطنين على أراضيهم.
مسودة الدستور تحت المجهر
واستحوذت مسودة الدستور الفلسطيني الجديدة على جانب مهم من النقاش، حيث رأى بدارنة أن المسودة تتضمن عدداً من التطورات المهمة، من بينها التركيز على مفاهيم العدالة الاجتماعية وإعادة صياغة بعض المبادئ الاقتصادية، لكنها ما تزال بحاجة إلى مزيد من الضمانات المتعلقة بالحماية الاجتماعية والحقوق المرتبطة بمناهضة العنف والتمييز.
وأكد أن المواد الخاصة بالحقوق والحريات العامة في المسودة تشكل أساساً مهماً لحماية الحيز المدني، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في التطبيق.
وقال: "لا يكفي أن يتضمن الدستور نصوصاً تكفل الحريات، بل يجب أن تترافق هذه النصوص مع بيئة ديمقراطية حقيقية تضمن المشاركة السياسية، والانتخابات الدورية، واستقلال القضاء، وحق المواطنين في المساءلة والوصول إلى المعلومات."
مطالب بقانون لحق الحصول على المعلومات
وشدد بدارنة على أن غياب قانون حق الحصول على المعلومات ما يزال يشكل إحدى أبرز العقبات أمام بناء منظومة مساءلة فعالة في فلسطين، معتبرا أن الوصول إلى المعلومات شرط أساسي لتمكين المواطنين والصحفيين ومؤسسات المجتمع المدني من مراقبة أداء السلطات العامة.
كما دعا إلى إزالة القيود المفروضة على تأسيس الجمعيات والمؤسسات الأهلية، وتسهيل إجراءات عملها، وتعزيز استقلاليتها بعيداً عن أي تدخلات سياسية أو إدارية.
الديمقراطية أساس حماية الحريات
وخلصت الحلقة إلى أن مستقبل الحيز المدني الفلسطيني مرتبط بشكل مباشر بإحياء الحياة الديمقراطية واستعادة المؤسسات المنتخبة وتوسيع المشاركة السياسية، خاصة بين الشباب والنساء.
وأكد بدارنة أن أي دستور جديد لن يحقق أهدافه ما لم يترجم إلى سياسات وإجراءات عملية تحمي حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي والعمل الأهلي، وتكرس مبدأ المساواة وسيادة القانون.
وفي ظل استمرار الاحتلال والانقسام والتحديات الاقتصادية، شدد بدارنة أن تعزيز الحيز المدني واللامركزية وتمكين المجتمعات المحلية يمثل أحد أهم عناصر الصمود الوطني الفلسطيني، وركيزة أساسية للدفاع عن الحقوق والحفاظ على النسيج المجتمعي.
