في حلقة جديدة من برنامج “عين على العدالة” بعنوان : دور كليات الحقوق في تعزيز قواعد السلوك المهني لخريجيها، طُرح نقاش معمّق حول واقع إدماج أخلاقيات المهنة في التعليم القانوني الفلسطيني، بوصفها مدخلًا أساسيًا لتعزيز جودة العدالة والحد من النزاعات، من خلال تخريج قانونيين يتمتعون بالكفاءة المهنية والسؤولية الأخلاقية
واستضافت الحلقة د. صفاء بلعاوي، أستاذة القانون ومديرة العيادة القانونية في جامعة النجاح الوطنية، ود. محمد القيسي، أستاذ القانون ومدير العيادة القانونية في جامعة بيرزيت، حيث استعرضا تجارب الجامعتين في دمج البعد الأخلاقي ضمن المناهج الأكاديمية والتدريب العملي.
دمج الأخلاقيات: نهج تكاملي لا مساق منفصل فقط:
أكد الضيفان أن تعزيز أخلاقيات المهنة لا يقتصر على إضافة مساق إلزامي، بل يتطلب ترسيخ الثقافة الأخلاقية عبر مختلف مكونات العملية التعليمية.
وأوضحت د. بلعاوي أن جامعة النجاح تطرح مساق “أخلاقيات المهنة القانونية” كمقرر اختياري، إلى جانب إدماج الابعاد الأخلاقية في المساقات الإجرائية الإلزامية، مثل الإجراءات المدنية والجزائية والصياغة القانونية، بما يعزز ربط الأخلاقيات بالممارسة المهنية الفعلية.
من جانبه، أشار د. القيسي إلى أن جامعة بيرزيت تعتمد مساقًا متخصصًا بعنوان “أخلاقيات المهن القانونية” بطابع عملي، مع إدماج الأبعاد الأخلاقية في المساقات التطبيقية المتقدمة وبيّن أن محدودية الساعات المعتمدة في الخطط الدراسية، ووجود أولويات أكاديمية ملحّة مثل القانون الإنساني الدولي ومكافحة الفساد وحقوق الطفل، تجعل من الصعب إضافة مساقات إلزامية جديدة، ما يعزز أهمية الدمج المنهجي للأخلاقيات داخل المقررات القائمة.
واتفق الضيفان على أن الاتجاه العالمي نحو البرامج المصغّرة التي تركز على النتائج والكفايات، يدعم هذا النهج القائم على التكامل بدلاً من التوسع العددي في المساقات.
العيادات القانونية: المختبر الحقيقي للأخلاق المهنية:
حظيت العيادات القانونية باهتمام خاص خلال النقاش، باعتبارها البيئة التطبيقية التي تُترجم فيها المبادئ الأخلاقية إلى ممارسة عملية.. وأوضحت د. بلعاوي أن العيادة القانونية في جامعة النجاح تشكل برنامجًا موازيًا يمتد على مدار سنوات الدراسة الأربع، يربط بين المعرفة النظرية وواقع المحاكم والمجتمع، ويُعزز حس المسؤولية الاجتماعية لدى الطلبة، خاصة عند التعامل مع قضايا الأطفال والنساء والفئات المهمشة.
بدوره، أشار د. القيسي إلى أن العيادات في جامعة بيرزيت أبرمت 17 مذكرة تفاهم مع مؤسسات شريكة، ما أتاح للطلبة الانخراط في مبادرات مجتمعية حقيقية، من بينها مشاريع في منطقة وادي الأردن، أضاف أن الإقبال المتزايد من الطلبة يعكس وعيًا متناميًا بأهمية أخلاقيات المهنة.
وأكد الضيفان أن التفاعل مع محامين ممارسين وقضاة متقاعدين يتيح للطلبة اكتساب فهم عملي لقيم النزاهة والاستقلالية واحترام الكرامة الإنسانية.
القدوة المهنية وأثرها في ترسيخ القيم الأخلاقية
تناول النقاش أهمية أن يكون المدرّس ذاته نموذجًا أخلاقيًا، حيث أكدا أن تكليف أشخاص ذوي سمعة مهنية مشكوك فيها بتدريس الأخلاقيات قد يُضعف الرسالة التعليمية. وأوضحا أن نسبة كبيرة من أعضاء هيئة التدريس في كليات القانون هم محامون مرخّصون وأعضاء في نقابة المحامين، ما يعزز الارتباط بين التعليم والممارسة الفعلية، ويُرسّخ تطبيق معايير السلوك المهني داخل الحرم الجامعي.
كما أُشير إلى أهمية إشراك القضاة المتقاعدين في العملية التعليمية، في ظل محدودية مشاركة القضاة العاملين بسبب القيود القائمة، بما يضمن نقل الخبرة القضائية العملية إلى الطلبة.
تكامل الأدوار بين الجامعات والنقابة والسلطة القضائية
أكد الضيفان أن بناء ثقافة أخلاقية لا يتحقق في إطار الجامعة وحدها، بل يتطلب تكاملًا مؤسسيًا يشمل الجامعات، نقابة المحامين، السلطة القضائية، والنيابة العامة. فالنقابة تضطلع بدور محوري في الترخيص والانضباط المهني، بينما يُشكل سلوك القضاة نموذجًا يحتذى به في احترام الكرامة الإنسانية، خاصة في القضايا التي تتطلب حساسية عالية، مثل قضايا الأطفال.
وأشارا إلى أن غالبية التفاعلات المجتمعية تتم في إطار من الالتزام والتنظيم الذاتي، فيما تمثل النزاعات المعروضة أمام المحاكم نسبة محدودة، ما يجعل من التعليم الأخلاقي أداة وقائية تسهم في تقليل السلوكيات غير المنضبطة وتعزيز الثقة العامة بمنظومة العدالة.
خلصت الحلقة إلى أهمية تطوير حزمة مرجعية مشتركة تستند إلى قانون تنظيم مهنة المحاماة، ومدونات السلوك القضائي، والقوانين الإجرائية، مع دعمها بدراسات حالة تطبيقية. كما شدد الضيفان على ضرورة قيام وزارة التعليم العالي بمتابعة مدى تحقق الكفايات الأخلاقية في البرامج الأكاديمية، وضمان التوافق بين الخطط المعتمدة والتطبيق الفعلي.
بهذا الطرح، قدّمت الحلقة رؤية متكاملة تعتبر أن أخلاقيات المهنة ليست مقررًا دراسيًا فحسب، بل ثقافة مؤسسية وممارسة يومية تبدأ في قاعات الدراسة، وتمتد إلى ساحات القضاء، وتنعكس أثرًا مباشرًا على جودة العدالة وحماية حقوق الإنسان في المجتمع الفلسطيني.
تأتي هذه الحلقة في إطار مشروع ينفّذه المركز الفلسطيني لاستقلال المحاماة والقضاء “مساواة”، بدعمٍ من برنامج سواسية ٣ المشترك- برنامج الامم المتحدة المشترك ، بين برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) وهيئة الأمم المتحدة للمرأة(UN Women) ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) ، وبدعم من حكومة هولندا والسويد ، والوكالة الإسبانية للتعاون الإنمائي الدولي والاتحاد الاوروبي وكندا ، ولا تعبّر الآراء الواردة في الحلقة بالضرورة عن الآراء والسياسات الرسمية للبرنامج أو مانحيه .
