غزة تغرق في أول منخفض جوي، مركز الميزان يستنكر صمت المجتمع الدولي ويحذر من كارثة إنسانية تطال حياة النازحين

يستنكر مركز الميزان لحقوق الإنسان بأشد العبارات استمرار الجرائم المرتكبة بحق المدنيين الفلسطينيين، وجعلهم عرضة لمختلف أشكال المعاناة والانتهاكات التي تهدد حياتهم وكرامتهم الإنسانية، واستمرار تدهور الأوضاع الإنسانية والمعيشية في قطاع غزة. ويؤكد المركز أن ما يشهده قطاع غزة اليوم من غرق لخيام النازحين مع أولى المنخفضات الجوية ليس أمراً مفاجئاً، بل نتيجة متوقعة سبق أن حذر منها المركز مراراً، في ظل استمرار حرمان السكان من المأوى الملائم ومقومات الحياة الأساسية، واستمرار عجز المجتمع الدولي عن اتخاذ خطوات جادة وفاعلة لوقف الإبادة الجماعية المستمرة للعام الرابع على التوالي.

ويحمّل المركز المجتمع الدولي مسؤولية استمرار هذا الواقع الكارثي، ويدعو إلى تحرك عاجل لوقف الجرائم الإسرائيلية، وتوفير المساكن المؤقتة والمواد اللازمة لحماية النازحين من البرد والأمطار، وضمان وصول المساعدات الإنسانية والإغاثية دون قيود، قبل أن تترجم ظروف الشتاء القاسية إلى مزيد من الضحايا والخسائر في الأرواح.

هذا ولا تزال مئات آلاف الأسر النازحة تقيم في خيام ومساكن مؤقتة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات السلامة، في ظل الدمار الواسع الذي طال المباني السكنية والبنية التحتية، ومحدودية المساحات المتاحة للإيواء، وعدم توافر بدائل آمنة. وتزيد الأمطار من معاناة هذه الأسر، في ظل تعرض الخيام للغرق، وتجمع المياه في مناطق النزوح، وتضرر شبكات تصريف مياه الأمطار والصرف الصحي، الأمر الذي يهدد سلامة النازحين ويهيئ الظروف لتفاقم المخاطر الصحية والبيئية، لا سيما مع محدودية الاستجابة الإنسانية وعدم كفاية التدخلات اللازمة لتلبية الاحتياجات المتزايدة.

صرح عصام يونس، مدير عام مركز الميزان لحقوق الإنسان "تواصل إسرائيل ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية بحق السكان المدنيين في قطاع غزة، وهي الجريمة التي تبث على الهواء مباشرة للعام الرابع على التوالي، وتنفذها بمختلف أشكالها قتلاً وتدميراً وتجويعاً وتعطيشاً، وتتعمد وضع المدنيين في ظروف غاية في القسوة، وهو ما حذرنا منه سابقاً، من أن فصل الشتاء قادم، وما يزيد عن ٩٠٪؜ من سكان القطاع نازحون ويعيش أغلبهم في خيم مهترئة، ودولة الاحتلال تواصل التحكم الخطير في إدخال الخيام والمستلزمات الحيوية الأساسية اللازمة لحياة السكان، في ظل انقطاع الكهرباء وعدم السماح بإدخال الوقود ومواد ومستلزمات التدفئة ما ينذر بكارثة إنسانية محققة في فصل الشتاء الحالي ."

وتتعمق أزمة الإيواء مع استمرار تهالك أعداد كبيرة من الخيام التي تؤوي مئات آلاف النازحين، حيث يُقدّر عدد الخيام المهترئة بنحو 200 ألف خيمة[1]، لم تعد توفر الحد الأدنى من الحماية لقاطنيها من البرد والأمطار. وتزداد المخاطر في ظل إقامة آلاف الخيام في مناطق معرضة للسيول والفيضانات، بالقرب من مجاري الأودية ومناطق تجمع مياه الأمطار والمناطق الساحلية، ما يعرض قاطنيها لخطر السيول وتدفق مياه الأمطار، ويستدعي نقلها لأماكن بديلة وآمنة يمكنهم الانتقال إليها.

أفادت (إ.خ) نازحة في مواصي دير البلح هي وزوجها وأطفالها الثلاثة، "عشنا في مواصي خان يونس ما يقارب العامين وفي كل فصل شتاء كنا نغرق من مياه الأمطار ومياه البحر التي تفيض، ومنذ شهرين قررنا أن ننتقل إلى مكان آخر حتى لا تغرق المياه الخيمة وتضيع كل ممتلكاتنا، نزحنا إلى منطقة دير البلح، واعتقدنا أننا استطعنا الفرار، ولكن مع دخول المنخفض الجوي بالأمس ونزول المطر، غرقت خيمتنا المهترئة مرة أخرى، وقضينا الليل بأكمله حتى الصباح تحت المطر نحاول تغطية الخيمة بمزيد من النايلون والأقمشة حتى لا تدخل المياه وحتى لا تطير من قوة الرياح، أطفالنا كادوا يموتون من البرد بعد أن غرقت ثيابهم وأغطيتنا بالمياه المنهمرة، ولا يوجد مكان آخر للهرب له والاحتماء به، أغلب الناس تعيش مأساتنا، والمصيبة أن فصل الشتاء في بدايته."

وفي السياق ذاته، تشير التقديرات إلى أن نحو 950 ألف نازح يقيمون في مواقع معرضة لمخاطر الفيضانات بدرجات متفاوتة، من بينهم أكثر من 400 ألف شخص في مواقع مصنفة ضمن المناطق مرتفعة الخطورة[2]، الأمر الذي ينذر بتفاقم المخاطر التي تهدد حياة النازحين وسلامتهم، في ظل استمرار افتقارهم إلى أماكن إيواء آمنة وملائمة، وعدم توافر الإمكانات اللازمة لحمايتهم من تداعيات الظروف الجوية.

صرح آجيت سونغاي رئيس مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في الأرض الفلسطينية المحتلة" يجب وضع حد لهذه المعاناة. فهذا هو العام الرابع من النزوح بالنسبة إلى معظم الفلسطينيين في غزة، والشتاء الرابع الذي يقضونه في خيام واهية لا تصمد أمام الأمطار، ولا يزالون يتعرضون للقصف طوال هذه الفترة. فليكن هذا الشتاء الأخير في تلك الظروف".[3]

ولا تقتصر مخاطر فصل الشتاء على الأسر التي تقيم في الخيام ومراكز الإيواء المؤقتة، بل تمتد لتشمل آلاف الأشخاص الذين يضطرون إلى السكن في مبانٍ متضررة وغير آمنة إنشائياً، في ظل انعدام البدائل الملائمة للإيواء، وقد شهد فصل الشتاء السابق انهيار عدد من المباني فوق رؤوس قاطنيها وتسببت في موت عشرات المواطنين. ويقدر حالياً عدد الأشخاص المقيمين في أكثر من 2,300 مبنى غير آمن إنشائياً بنحو 44 ألف شخص، فيما تشير تقديرات أخرى إلى أن أكثر من 4,000 مبنى يحتاج إلى الهدم الكلي أو الجزئي، وتزداد المخاوف على حياة هؤلاء السكان مع هطول الأمطار واشتداد الرياح، وما قد تسببه من تفاقم الأضرار التي لحقت بالمباني أو انهيار أجزاء منها، الأمر الذي يعرض حياة قاطنيها لخطر مباشر، لا سيما في ظل عدم توافر أماكن بديلة وآمنة يمكنهم الانتقال إليه.

أفاد المواطن (ب،ح) من سكان مواصي خان يونس، "أعيش مع عائلتي وزوجتي الحامل وطفلي في خيمة مهترئة، وحاولت تجهيزها قبل بدء فصل الشتاء، لكن مع أول دقائق من هطول الأمطار الليلة الماضية، غرقت الخيمة بالكامل، والشوادر التي حصنت بها الخيمة سقطت، وغطاؤها في الأعلى طار، ودخلت مياه المطر إلى داخل الخيمة، وغرق الفرش والأغطية التي نتدفأ بها، وكل أغراضنا ابتلت، ولا يوجد مكان جاف نجلس فيه أو نحتمي فيه من المطر. زوجتي في موعد الولادة، وعندي طفل صغير، بقينا طيلة الليل واقفين نحاول إخراج المياه من الخيمة، ولا أعرف كيف سأحميهم من البرد والمطر، خصوصاً أن الخيمة لم تصمد حتى لمدة نصف ساعة من المطر. لا أعرف كيف سنتدبر أمرنا خلال هذا الفصل ونحن في بدايته، لا توجد عندنا الإمكانيات لإصلاح الخيمة أو استبدالها، ولا عنا أي وسيلة تحمينا من البرد والمياه. أصبحنا نخاف من كل مرة تمطر فيها وكأنها عمليات قصف تنفذها قوات الاحتلال، لأنه لا يوجد عندنا مكان نذهب إليه أو نحتمي فيه، وكل ما نتمناه أن يكون عندنا مكان يحفظنا ويحمي أطفالنا من البرد والمطر."

وفي ظل هذه الأوضاع، تتفاقم أزمة الإيواء مع النقص الحاد في المستلزمات والمواد اللازمة لإصلاح الخيام وتدعيمها واستبدال التالف منها، واستمرار القيود المفروضة على إدخال الاحتياجات الضرورية لمواجهة فصل الشتاء. ولا يزال نحو مليوني شخص بحاجة إلى مساعدات الإيواء والمواد غير الغذائية، في حين لا تكفي الإمدادات المتاحة إلا لتقديم مساعدة جزئية لنحو 52 ألف أسرة، من أصل 294,250 أسرة تحتاج إلى مساعدات الإيواء خلال موسم الأمطار، أي ما يعادل نحو 18% من إجمالي الأسر المحتاجة مساعدات الإيواء. وتعكس هذه الأرقام اتساع الفجوة بين الاحتياجات الفعلية للنازحين وحجم المساعدات المتاحة، بما يحد من القدرة على توفير الحماية اللازمة لهم مع اشتداد الظروف الجوية.[4]

مركز الميزان لحقوق الإنسان، إذ يجدد إدانته لاستمرار الإبادة الجماعية ومنع دخول المساكن المؤقتة ومستلزمات السكن للنازحين في قطاع غزة، والآليات الثقيلة، ومعدات البنية التحتية، خاصة في ظل قدوم فصل الشتاء، فإنه يحذر من كارثة إنسانية وصحية متصاعدة تهدد بانتشار الأمراض والأوبئة والبرد القارص الذي سيضع حياة المدنيين لا سيما الأطفال أمام خطر الموت برداً ومرضاً وبسبب انهيار الأبنية السكنية.

ويؤكد المركز على مسؤولية المجتمع الدولي تجاه ما يعيشه سكان القطاع من فظاعات، وضرورة الضغط على قوات الاحتلال لفتح المعابر بشكل فوري وإدخال المعدات والمواد اللازمة لمعالجة آثار المنخفضات الجوية القادمة، والحد من تدفق مياه الأمطار وغرق الخيام واختلاطها بشبكات الصرف الصحي المتعطلة، وتوفير بيئة أكثر أماناً للنازحين، لا سيما الأطفال، والنساء، وكبار السن، الذين يواجهون ظروفاً غير إنسانية تهدد حياتهم يومياً.

وعليه، يطالب المركز المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية تجاه سكان قطاع غزة، والتحرك العاجل لضمان وقف الإبادة الجماعية، وحماية المدنيين من سوء الأحوال الجوية في فصل الشتاء، وتوفير أماكن إيواء آمنة للنازحين، وضمان وصول الخدمات الأساسية إليهم، مع مراعاة احتياجات الفئات الأكثر ضعفاً، وضمان فتح المعابر بشكل فوري ودائم لإدخال مواد الإيواء، والآليات الثقيلة، والمستلزمات الطبية وإعادة تأهيل البنية التحتية الأساسية للحفاظ على حياة المدنيين في قطاع غزة.

كما يشدد المركز على أهمية وضرورة إعمال مبدأ المسائلة والمحاسبة واعتقال مجرمي الحرب نتنياهو وجالانت الذين اصدرت المحكمة الجنائية أوامر اعتقال بحقهما، وكذلك كل من أمر ونفذ من الإسرائيليين الجرائم المرتكبة بحق المدنيين في قطاع غزة وباقي الأراضي الفلسطينية المحتلة، فمن أمن العقاب أساء الأدب.

[1] تصريح بلدية غزة.

[2] تقرير الوضع الإنساني، الأوتشا.

[3] تقرير مكتب حقوق الانسان التابع للأمم المتحدة.

[4] مرجع سابق - تقرير OCHA

اشترك في القائمة البريدية