قدّمت الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان "ديوان المظالم"، مساهمةً مكتوبة إلى الفريق العامل المعني بالتمييز ضد النساء والفتيات التابع لمجلس حقوق الإنسان، استجابةً لدعوته تقديم مساهمات في تقريره المواضيعي لعام 2027 حول تغيّر المناخ وحقوق النساء والفتيات.
وركّزت المساهمة على أوضاع النساء والفتيات في قطاع غزة مع استمرار أفعال الإبادة الجماعية، وتقاطعها مع آثار تغيّر المناخ، مستندةً إلى أعمال الرصد والتوثيق التي تجريها الهيئة، أكثر من 1,000 إفادة من مختلف أنحاء القطاع، بينها 528 إفادة من نساء، وبيانات وكالات الأمم المتحدة والمصادر الفلسطينية الرسمية.
أوضحت الهيئة التي قدمت مساهمتها بصفتها المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في دولة فلسطين والحاصلة على الاعتماد بالدرجة (أ) من التحالف العالمي للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، أن قطاع غزة إقليم ساحلي صغير مكتظ بالسكان، ترتفع حرارته ما يقارب ضعف المتوسط العالمي، ويواجه موجات الحر والجفاف، فتدمير القدرة التكيّفية للقطاع منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 قد ضخّم آثار هذه المخاطر، مع عواقب بالغة الشدة على النساء والفتيات بوجه خاص.
وأوصت الهيئة الفريقَ العامل بدعوة القوة القائمة بالاحتلال إلى ضمان ادخال مواد الإيواء ومعدات المياه ومستلزمات الصحة الإنجابية والآليات الثقيلة، والسماح بتقييم مستقل للتلوث، ووقف الأضرار البيئية انسجاما مع فتاوى محكمة العدل الدولية، ورفع القيود عن حصول النساء على الرعاية الطبية والحماية. مطالبة الدول الثالثة وكيانات الأمم المتحدة والصناديق المناخية بالاعتراف بالاحتلال كمحرك أساسي لتأثر النساء بتغيّر المناخ، وتقديم تمويل جديد ويمكن التنبؤ به مع توجيه حصة منه مباشرة إلى المنظمات النسوية الفلسطينية، وكفالة سبل الانتصاف وجبر الضرر بما يتسق مع التوصيتين العامتين 30 و37 للجنة القضاء على التمييز ضد المرأة، فيما دعت قطاع الأعمال إلى بذل العناية الواجبة وفق المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة.
ودعت دولة فلسطين إلى تحديث الخطة الوطنية للتكيّف لعام 2016 بفصل مخصص للنوع الاجتماعي يُعدّ بالتعاون مع المنظمات النسوية في غزة، وترجمة التزاماتها إلى أهداف محددة زمنيًا وبنود في الموازنة، واعتماد ولاية قانونية للإبلاغ المناخي ببيانات مصنّفة، وزيادة تمثيل النساء في المؤسسات المناخية وهيئات إعادة الإعمار، ودمج الوقاية من العنف وخدمات الصحة النفسية في خطط التكيّف.
وبيّنت أن معظم المياه الجوفية في غزة كانت غير صالحة للشرب حتى قبل عام 2023، فيما تؤثر الضغوط المناخية على السكان الذين فقدوا منازلهم وشبكات المياه وأراضيهم؛ إذ تضرر نحو 87% من الأراضي الزراعية و80% من الدفيئات، وانخفضت إمدادات المياه عام 2024 إلى 7% من مستويات ما قبل الحرب. لافتة إلى أن التغيرات المناخية تُعمّق أوجه عدم المساواة القائمة، وفقد أصبحت النساء تعيل قرابة أسرة من كل أربع أسر في القطاع (نحو 86,290 أسرة)، أي ضعف المعدل السابق، مع الافتقاد للسكن اللائق. وفيما يتعلق بالنساء ذوات الإعاقة والمسنّات والحوامل والمرضعات والأرامل والفتيات المراهقات، وأشارت المساهمة لوجود حواجز مضاعفة في الوصول إلى المياه والمراحيض والمساعدات والأماكن الآمنة، إذ تعيش نحو 11,700 امرأة وفتاة بإعاقات دائمة ناجمة عن إصابات منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023.
وأفادت الهيئة بأن نحو 50,000 امرأة حامل يعشن في خيام ومبانٍ متضررة، معرّضات للحر والبرد والمياه الملوثة، وبلغت حالات الإجهاض نحو 4,000 حالة في النصف الأول من عام 2026، أي ثلاثة أضعاف الأشهر الستة السابقة. ونقلت الهيئة إفادة امرأة نازحة من حي الدرج في مدينة غزة وضعت مولودها في خيمة دون رعاية صحية أو خصوصية أو تدفئة أو مياه نظيفة، وهي تجربة تشاركها آلاف النساء.
وعلى صعيد الصحة النفسية، ارتفعت نسبة الاكتئاب بين النساء المعالَجات من 38% عام 2024 إلى 46% في النصف الأول من عام 2025، وهي الأعلى بين جميع الفئات، مع نقص حاد في الأخصائيين والأدوية. أما فيما يتعلق بالأمن الغذائي فبيّنت الهيئة أن نحو 702,000 امرأة وفتاة يواجهن انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي حتى نهاية عام 2026، وأن تدمير الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية ومصائد الأسماك قضى على كثير من مصادر دخل النساء. فكل امرأة وفتاة في غزة تقريبًا قد نزحت، ووفق بيانات أوتشا، يعيش نحو 950,000 نازح في مواقع معرّضة للفيضانات، فيما لا تكفي الإمدادات المتاحة إلا لـ18% من الأسر المحتاجة إلى مأوى شتوي. وأبرزت الهيئة الدور الريادي للنساء والمنظمات النسوية في إدارة المطابخ المجتمعية ومراكز الإيواء، في حين يغبن إلى حد كبير عن التنسيق الإنساني وأطر إعادة الإعمار. لغياب سبل انتصاف فعالة للنساء، رغم تأكيد محكمة العدل الدولية في فتواها الصادرة في 23 تموز/يوليو 2025 وجوب منع الإضرار الجسيم بالنظام المناخي والبيئة.
ورحّبت الهيئة بالتقدم الذي أحرزته دولة فلسطين في تعميم منظور النوع الاجتماعي في سياساتها المناخية، ولا سيما المساهمات المحددة وطنيًا 3.0 الصادرة في آب/أغسطس 2026. وميّزت بين ثلاث فئات من الجهات المكلّفة بالواجبات: إسرائيل، بوصفها السلطة القائمة بالاحتلال، التي تتحمل المسؤولية الأساسية عن رفاه السكان المدنيين بموجب اتفاقية جنيف الرابعة؛ ودولة فلسطين، التي يُقيّد الاحتلال مسؤولياتها دون أن يُسقطها؛ والدول الثالثة وكيانات الأمم المتحدة والصناديق المناخية، الملتزمة بالتمويل المناخي وكفالة احترام القانون الدولي الإنساني.
