يمرّ عام كامل على دخول اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة حيّز التنفيذ في الحادي عشر من تشرين الأول/أكتوبر 2025. انتظر الفلسطينيون من هذا الاتفاق أن يضع حدًّا لحرب الإبادة، وأن يفتح الباب أمام التعافي وإعادة بناء ما تهدّم من حياتهم. غير أن العام انقضى والقتل مستمر بوتيرة شبه يومية، والحصار يشتدّ، والوعود الإنسانية بقيت حبرًا على ورق، حتى غدت الهدنة اسمًا بلا مضمون.
فعلى امتداد هذا العام، واصلت قوات الاحتلال الإسرائيلي استهداف المدنيين في بيوتهم وخيامهم ومركباتهم. وتُظهر بيانات وزارة الصحة الفلسطينية أن 1,488 فلسطينيًا استُشهدوا منذ سريان الاتفاق، أي بمعدل يزيد على أربعة شهداء كل يوم، فيما بلغ عدد المصابين 5,281 مصابًا. وفي الوقت ذاته، انتشلت الطواقم 836 جثمانًا من تحت الركام، فيما لا تزال آلاف الجثامين تحت الأنقاض وفي الطرقات، تعجز طواقم الإسعاف والدفاع المدني عن الوصول إليها في ظل استمرار منع إدخال المعدات الثقيلة.
ولم تقتصر الانتهاكات على القتل، فقد تواصلت الغارات والقصف وإطلاق النار ونسف المنازل في مختلف مناطق القطاع. ووسّعت قوات الاحتلال رقعة سيطرتها العسكرية عبر تحريك ما سُمّي بـ"الخط الأصفر"، حتى باتت تسيطر على أكثر من سبعين بالمئة من مساحة القطاع، فحرمت مئات الآلاف من العودة إلى بيوتهم وأراضيهم، وكرّست واقع التهجير القسري بدل إنهائه. وتزامن ذلك مع تقييد ممنهج لدخول المساعدات منذ الأيام الأولى للاتفاق، وصولًا إلى إعادة إغلاق المعابر مؤخرًا. وقد بات معظم السكان يعتمدون اعتمادًا شبه كامل على المساعدات بعد أن فقدوا مصادر دخلهم، في وقت تعاني فيه هذه المساعدات نقصًا حادًا بفعل ضعف التمويل والقيود المفروضة على المعابر. ونتيجة لذلك، يعيش أكثر من مليوني إنسان في ظروف إنسانية قاسية، يفتقرون فيها إلى الغذاء والدواء والوقود والمأوى الكريم، فيما تبقى عملية إعادة الإعمار معطّلة بالكامل. وتحذّر الهيئة من تداعيات خطيرة مع اقتراب فصل الشتاء، إذ يقيم مئات الآلاف من النازحين في خيام مهترئة ومراكز إيواء مكتظة، في ظل منع إدخال مستلزمات الإيواء وضعف الإمكانات المتوفرة، بما يُنذر بتكرار مآسي الشتاء الماضي من غرق الخيام وانهيار المباني المتصدعة على ساكنيها. وبهذا تتجاوز الحصيلة الإجمالية منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وفق وزارة الصحة، 74,370 شهيدًا و175,371 مصابًا.
ترى الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان - ديوان المظالم - في هذه الممارسات انتهاكات جسيمة لقواعد القانون الدولي الإنساني وأحكام اتفاقية جنيف الرابعة، وخرقًا صريحًا لمبادئ التمييز والتناسب وواجب حماية المدنيين. كما تشكّل هذه الممارسات تحدّيًا سافرًا للتدابير المؤقتة الصادرة عن محكمة العدل الدولية. وتؤكد الهيئة أن وقف إطلاق النار لا يُقاس بتوقيع الاتفاقات، بل بتوقّف القتل فعلًا، ورفع الحصار، وعودة الناس إلى حياة تليق بكرامتهم الإنسانية.
من هذا المنطلق، تدعو الهيئة الدول الضامنة والوسطاء إلى تحمّل مسؤولياتهم في إلزام سلطات الاحتلال بوقف اعتداءاتها فورًا وتطالب بفتح المعابر بشكل دائم ودون قيود أمام المساعدات الإنسانية والطبية ومستلزمات الإيواء والمعدات الثقيلة، لا سيما مع اقتراب فصل الشتاء، وبانسحاب قوات الاحتلال من المناطق التي توسّعت فيها بما يضمن العودة الآمنة للنازحين. كما تطالب بالشروع دون إبطاء في إعادة إعمار شاملة تصون حق السكان في السكن والصحة والتعليم. وتدعو المجتمع الدولي والمحكمة الجنائية الدولية إلى المضيّ في مساءلة مرتكبي الجرائم، ووضع حدٍّ لسياسة الإفلات من العقاب التي شجّعت على استمرارها.
