بيت النساء الريفيات الفلسطينيات في عصيرة الشمالية: من إحياء المكان إلى تمكين النساء

نابلس – عصيرة الشمالية | في بيت ريفي يحمل بين حجارته ملامح المكان وذاكرته، تتشكل اليوم حكاية جديدة تقودها النساء؛ حكاية لا تتوقف عند ترميم مبنى قديم وإعادة تأهيله، بل تمتد إلى إعادة الحياة إليه وتحويله إلى مساحة للإنتاج والتعلّم والتمكين المجتمعي والاقتصادي.

في بلدة عصيرة الشمالية بمحافظة نابلس، تنفذ جمعية مدرسة الأمهات مشروع «بيت النساء الريفيات الفلسطينيات»، ضمن رؤية تسعى إلى توفير مساحة مجتمعية واقتصادية داعمة للنساء، تجمع بين الحفاظ على الهوية الريفية للمكان وتطوير فرص جديدة تساعد النساء على تعزيز قدراتهن ومشاركتهن الاقتصادية والاجتماعية.

ويأتي المشروع بالتعاون والشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) وبلدية عصيرة الشمالية، ضمن برنامج «الاستثمار من أجل تعزيز القدرة على الصمود»، بتمويل من الحكومة الألمانية عبر بنك التنمية الألماني (KfW)، في إطار جهود مشتركة تهدف إلى إعادة تأهيل المكان وتطويره ليصبح نموذجًا حيًا يجمع بين التنمية المحلية وتمكين النساء والحفاظ على الطابع الريفي والتراثي.

من بيت قديم إلى مساحة تنبض بالحياة

مرّ البيت بعدة مراحل من العمل، بدأت بتقييم المبنى واحتياجاته، مرورًا بأعمال الترميم وإعادة تأهيل مرافقه وتحسين مساحاته الداخلية والخارجية، وصولًا إلى تجهيز المكان بما يتناسب مع الوظائف والأنشطة التي سيحتضنها.

وخلال عملية التأهيل، جرى الاهتمام بالحفاظ على الهوية المعمارية والريفية للمبنى قدر الإمكان، بحيث يحتفظ المكان بذاكرته وخصوصيته، ويصبح في الوقت ذاته قادرًا على احتضان أنشطة حديثة تلبي احتياجات النساء والمجتمع المحلي.

فالهدف هو إعادة توظيف المكان ومنحه وظيفة اجتماعية واقتصادية جديدة؛ ليصبح البيت نقطة تجمع بين الماضي والحاضر، وبين التراث الريفي وفرص التنمية والإنتاج.

بيت تقوده النساء

تعمل جمعية مدرسة الأمهات على تطوير الجانب التشغيلي والمجتمعي للبيت، من خلال إعداد النساء وتأهيلهن وتوزيع الأدوار والمهام وفق خبراتهن ومهاراتهن، وصولًا إلى بناء نموذج قادر على الاستمرار وتحقيق أثر ملموس في حياة المستفيدات.

ويستهدف البيت إشراك 30 امرأة في مسارات مختلفة، تشمل المطبخ والمطعم الريفي، والتطريز والأعمال اليدوية، والتعليم والإرشاد، والأنشطة والجلسات المجتمعية، بما يفتح المجال أمام النساء للتعلّم والإنتاج وتطوير المهارات وتبادل الخبرات.

ويقوم مفهوم المشروع على أن تكون المرأة شريكة في تشغيل البيت وصناعة هويته واستدامته، وأن تسهم بخبرتها وإنتاجها في تطويره وتعزيز حضوره في المجتمع المحلي.

UNDP يتابع مستجدات المشروع

وفي إطار متابعة مراحل تنفيذ المشروع، استقبلت بلدية عصيرة الشمالية وفدًا من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، برئاسة الممثل الخاص للبرنامج، جاكو سيلييرز، ونائبته مارغون إندريبو، للاطلاع على مستجدات العمل ومراحل تأهيل بيت النساء الريفيات وبحث آفاق التعاون المستقبلي.

وشارك في اللقاء ممثلون عن بلدية عصيرة الشمالية، من بينهم المهندس جمال صوالحة والمهندس عماد جرارعة، إلى جانب وفد من جمعية مدرسة الأمهات برئاسة المديرة التنفيذية سناء شبيطة، وبمشاركة طاقم الجمعية، إضافة إلى المستشار المهندس عميد عبد السلام.

وشكّلت الزيارة محطة للاطلاع ميدانيًا على تقدم أعمال الترميم والتأهيل، ومناقشة الخطوات اللاحقة المتعلقة بتشغيل المكان والأنشطة التي سيحتضنها، إلى جانب بحث فرص تعزيز التعاون بما يدعم استدامة المشروع ويوسّع أثره في المجتمع المحلي.

شراكة تتجاوز ترميم المبنى

يعكس المشروع تكامل الأدوار بين الشركاء؛ إذ يسهم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) في دعم مسار المشروع ومتابعة تطوره، فيما تؤدي بلدية عصيرة الشمالية دورًا محليًا مهمًا في احتضان المشروع والتنسيق المرتبط بالمكان، بينما تتولى جمعية مدرسة الأمهات العمل مع النساء وتطوير البرامج والأنشطة والمكوّن التشغيلي والمجتمعي للبيت.

ومن خلال هذا التكامل، يتحول المشروع إلى مساحة تنموية متكاملة تستثمر في المكان والإنسان في آن واحد، وتربط إعادة تأهيل المبنى بتوفير فرص للتعلّم والعمل والإنتاج.

من الترميم إلى الإنتاج

مع تقدم العمل، ينتقل المشروع تدريجيًا من مرحلة إعادة تأهيل المكان إلى مرحلة تشغيل البيت وتفعيل برامجه، بحيث يصبح فضاءً تستفيد منه النساء في تطوير منتجاتهن ومهاراتهن، وعرض إنتاجهن، والمشاركة في التدريبات والأنشطة الاقتصادية والاجتماعية.

كما يجري التحضير للأنشطة والفعاليات التي تتيح للنساء تقديم منتجاتهن والتواصل مع المجتمع المحلي، بما يعزز حضور البيت كمساحة منتجة ومفتوحة على محيطها.

وتسعى هذه الأنشطة إلى ربط التدريب بالعمل والإنتاج الفعلي، بحيث تتحول المهارات التي تمتلكها النساء أو يكتسبنها داخل البيت إلى فرص تساعدهن على تعزيز مشاركتهن الاقتصادية.

عندما يستعيد البيت حياته

يحمل بيت النساء الريفيات الفلسطينيات فكرة تتجاوز حدود المبنى؛ فالحفاظ على المكان يكتمل بإعادة الناس إليه ومنحه وظيفة جديدة تستجيب لاحتياجات المجتمع.

ومن هنا، يصبح البيت مساحة تلتقي فيها الهوية الريفية الفلسطينية مع تمكين النساء، والتراث مع الإنتاج، والمكان القديم مع فرص جديدة للمستقبل.

ومع كل مساحة يُعاد تأهيلها، وكل امرأة تدخل البيت لتتعلّم أو تعمل أو تنتج، تبدأ للمكان حكاية جديدة؛ حكاية بيت يستعيد حياته من خلال النساء اللواتي سيصنعن مستقبله.

بيت النساء الريفيات الفلسطينيات — من الريف نصنع القوة

 

اشترك في القائمة البريدية