بمناسبة اليوم العالمي للصحة النفسية، الذي يصادف العاشر من أكتوبر من كل عام، يُحيي برنامج غزة للصحة النفسية هذه المناسبة تحت شعار عالمي وهو (تجارب حقيقية مسموعة: أصوات حقيقية، تغيير حقيقي)، والذي يسلّط الضوء على أهمية الاعتراف بتجارب الأشخاص الذين واجهوا تحديات نفسية، وتعزيز مشاركتهم الفاعلة في تطوير الخدمات والسياسات المتعلقة بالصحة النفسية، بما يضمن الاستجابة لاحتياجاتهم واحترام حقوقهم وكرامتهم.
وتكتسب هذه المناسبة أهمية خاصة في قطاع غزة، حيث خلّفت حرب الإبادة الجماعية منذ أكتوبر 2023 عواقب إنسانية ونفسية واجتماعية عميقة. فقد عرّض الفقد المستمر، والنزوح المتكرر، والدمار واسع النطاق، والإصابات البالغة، وتدهور الظروف المعيشية، مختلف فئات المجتمع الفلسطيني لمعاناة نفسية ممتدة، وتجارب من الصدمة والقلق وعدم اليقين. وقد أدت هذه الظروف إلى تفاقم الاحتياجات النفسية لدى الأفراد والأسر من مختلف الأعمار، بمن فيهم النساء والرجال وكبار السن والأشخاص ذوو الإعاقة والناجون من العنف والتعذيب والأسر التي فقدت أحباءها والنازحون والعاملون في الخطوط الأمامية. وبحلول سبتمبر 2026، كان قد أُفيد باستشهاد أكثر من 74 ألف فلسطيني وإصابة أكثر من 175 ألفًا. وفي الوقت نفسه، واصل النظام الصحي مواجهة ضغوط تشغيلية شديدة ونقص في الأدوية الأساسية والمستلزمات الطبية والوقود والمعدات. كما أسهم النزوح واسع النطاق، وتضرر البنية التحتية، وتعطل التعليم وسبل العيش، وتدهور الظروف المعيشية في تفاقم المعاناة النفسية والاجتماعية لدى مختلف فئات المجتمع، الأمر الذي يؤكد الحاجة الملحّة إلى مواصلة تقديم خدمات متخصصة ومستدامة في مجال الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي، وتعزيز الخدمات المجتمعية لتلبية احتياجات جميع المتضررين.
وفي هذا السياق، يؤكد برنامج غزة للصحة النفسية أن التعامل مع هذه المعاناة يتطلب أكثر من مجرد تقديم الخدمات؛ إذ يستدعي بناء استجابة إنسانية تراعي تجارب الناس واحتياجاتهم، وتمنحهم المساحة للتعبير عن معاناتهم، والمشاركة في تحديد أولويات الدعم المقدم لهم، بعيدًا عن الوصمة أو التمييز، وبما يعزز قدرتهم على استعادة الشعور بالأمان والكرامة والأمل.
وانطلاقًا من رسالته وخبرته الممتدة لأكثر من 35 عامًا في مجال الصحة النفسية في فلسطين، يشدد البرنامج على مجموعة من المبادئ والقضايا الأساسية، أبرزها:
- تعزيز الوعي بالصحة النفسية: من خلال التأكيد على أن الصحة النفسية جزء لا يتجزأ من الصحة العامة والرفاه الإنساني، ومكافحة الوصمة الاجتماعية المرتبطة بمشكلات الصحة النفسية، وتشجيع سكان قطاع غزة على طلب المساعدة المتخصصة دون خوف أو تردد.
- الاستماع إلى أصحاب التجارب الحية وتمكينهم: من خلال احترام تجاربهم ووجهات نظرهم، وإشراكهم في تصميم الخدمات وتطويرها وتقييمها، وضمان أن يكون لأصواتهم تأثير حقيقي في القرارات التي تمس حياتهم. ويشمل ذلك الأشخاص الذين مرّوا بتجارب الفقد والنزوح والإصابات والتعذيب والمعاناة النفسية وغيرها من تبعات حرب الإبادة الجماعية، بما يضمن الاعتراف بتنوع التجارب ووجهات النظر في المجتمع الفلسطيني وتمثيلها.
- ضمان الحق في الوصول إلى خدمات الصحة النفسية: من خلال إزالة العوائق التي تحول دون حصول الأفراد على خدمات آمنة وملائمة ومتخصصة، مع إعطاء الأولوية للأشخاص الأكثر تضررًا واحتياجًا، بمن فيهم الأطفال والنساء والرجال وكبار السن والأيتام والأشخاص ذوو الإعاقة والناجون من التعذيب والعنف والأسر التي فقدت أحباءها والنازحون والأشخاص الذين يعانون من إصابات ناجمة عن الحرب وتتطلب رعاية وتأهيلًا طويلَي الأمد. وفي ظل الدمار الواسع الذي لحق بالبنية التحتية الصحية والنقص في المستلزمات الأساسية، تبرز أهمية تعزيز خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي المتاحة للجميع، والمتخصصة والقائمة على المجتمع المحلي، لتلبية الاحتياجات المتزايدة والمتنوعة في مختلف أنحاء قطاع غزة.
- دعم الصحة النفسية لمقدمي خدمات الصحة النفسية: من خلال تقدير دورهم الإنساني الحيوي في ظل ظروف بالغة الصعوبة، وما يواجهونه من ضغوط نفسية ومهنية متراكمة. فحماية صحتهم النفسية وتعزيز رفاههم ليست ترفًا، بل ضرورة أساسية لاستمرار الخدمات وضمان جودتها، لا سيما للعاملين في الخطوط الأمامية الذين يواصلون تقديم الدعم للمتضررين في قطاع غزة، في الوقت الذي يعيشون فيه هم أنفسهم تداعيات الأزمة الممتدة وما يصاحبها من عدم يقين وفقد ومعاناة.
- تعزيز المشاركة المجتمعية والتعاون المؤسسي: من خلال توسيع التعاون بين المؤسسات الصحية والنفسية والاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني، بهدف تطوير استجابات منسقة ومتكاملة وأكثر قدرة على تلبية الاحتياجات المتزايدة. وتكتسب هذه الشراكات أهمية خاصة في قطاع غزة، حيث تتداخل التحديات المرتبطة بالرعاية الصحية والحماية والتعليم وسبل العيش والمأوى والرعاية الاجتماعية، الأمر الذي يتطلب استجابات متكاملة تضمن وصول الأشخاص من مختلف الأعمار والخلفيات إلى الدعم المناسب في الوقت المناسب.
- التمسك بمبدأ «عدم ترك أحد خلف الركب»: من خلال ضمان وصول الخدمات إلى الفئات الأكثر هشاشة واحتياجًا، وتكييف التدخلات وفقًا لاحتياجاتها وظروفها الخاصة، وتعزيز فرص الوصول العادل إلى خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي دون أي تمييز.
ويؤكد برنامج غزة للصحة النفسية أن أصوات الأشخاص الذين عاشوا تجارب الفقد والصدمة والمعاناة النفسية ليست مجرد شهادات تُروى، بل هي مصدر أساسي للمعرفة والخبرة، وعنصر جوهري في بناء خدمات أكثر استجابة وإنسانية وفاعلية. فالاستماع الحقيقي يبدأ بالاعتراف بالتجربة، ويتحقق أثره عندما يتحول إلى سياسات وممارسات وإجراءات ملموسة تُحدث فرقًا في حياة الناس.
وفي هذه المناسبة، يجدد البرنامج التزامه بمواصلة تقديم خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي لأبناء شعبنا الفلسطيني، رغم التحديات الاستثنائية التي يواجهها قطاع غزة، ويؤكد أن احترام حقوق الإنسان وصون الكرامة الإنسانية يشكّلان أساسًا لا غنى عنه في جميع جهود الصحة النفسية، بما يشمل ضمان الحق في الصحة والرعاية النفسية، والمساواة وعدم التمييز، واحترام الخصوصية والاستقلالية. كما يجدد البرنامج دعوته إلى حماية حقوق جميع الفلسطينيين، وضمان وصولهم إلى الخدمات الأساسية والعيش بكرامة وأمان، وفقًا لمبادئ حقوق الإنسان والعدالة الإنسانية.
