نفّذ مركز التنمية والإعلام المجتمعي جلسة حوارية بعنوان «السلامة الرقمية والنفسية — حماية الصحفيين والمصادر في بيئة هشة: أدوات وآليات للصمود الإعلامي في ظل الضغوط الميدانية والرقمية»، ضمن مشروع «بناء الحقيقة والمرونة: تمكين إعلام ومجتمعات غزة من أجل التعافي»، في نقاش ركز على التحديات المتداخلة التي يواجهها الصحفيون والصحفيات أثناء العمل، وما تفرضه البيئة الميدانية والرقمية من مخاطر على سلامتهم الشخصية، وأمن معلوماتهم، وقدرتهم على مواصلة عملهم.
وقدّم الجلسة الدكتور محمد الفيومي، بمشاركة 16 من الصحفيين والصحفيات وسفراء المشروع، الذين شاركوا تجاربهم الميدانية وناقشوا أبرز التحديات التي تواجه العمل الصحفي، وسبل تعزيز السلامة الرقمية والنفسية وحماية الصحفيين ومصادرهم في ظل الظروف الراهنة.
وجاءت الجلسة بصيغة حوارية أتاحت للمشاركين الانتقال من الحديث العام عن السلامة إلى مشاركة تجاربهم من الميدان، ومناقشة ما يواجهونه بصورة مباشرة أثناء جمع المعلومات والتواصل مع المصادر وإنتاج المحتوى الإعلامي. وأبرزت المداخلات أن المخاطر التي تحيط بالعمل الصحفي لا تتوقف عند حدود الخطر الميداني، وإنما تمتد إلى البيئة الرقمية وما يرتبط بها من تهديدات أمنية، وإلى الضغوط النفسية المتراكمة التي يواجهها الصحفيون والصحفيات في سياق الحرب.
مخاطر تتجاوز الميدان
ناقش المشاركون أبرز التهديدات الرقمية والانتهاكات الأمنية التي يتعرض لها الصحفيون في غزة، مع التركيز على طبيعة المخاطر التي قد تؤثر ليس فقط على الصحفي نفسه، وإنما على المصادر والأشخاص الذين يتعامل معهم أثناء العمل.
وفي هذا السياق، تناول النقاش أهمية التعامل الآمن مع البيانات منذ لحظة جمعها، وصولًا إلى تخزينها وحمايتها، خاصة عندما تتضمن معلومات يمكن أن تكشف هوية مصادر أو فئات ضعيفة. وجرى التأكيد على أن حماية المصدر لا ترتبط فقط بسرية الحديث معه، بل تمتد إلى الطريقة التي تُجمع بها المعلومات، والأجهزة التي تحفظ عليها، والوسائل المستخدمة في تداولها ومشاركتها.
كما ناقش المشاركون التحديات التي تفرضها قيود الاتصال وانقطاع البنية التحتية على العمل الصحفي، وما تسببه من صعوبات في التواصل والوصول إلى المعلومات ونقلها، إلى جانب الحاجة إلى إيجاد آليات للتعامل مع هذه الظروف دون المساس بأمن المعلومات أو تعريض بيانات الصحفيين ومصادرهم لمخاطر إضافية.
الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق
وحظي الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق بمساحة ضمن النقاش، في ظل ما يمكن أن يضيفه استخدام هذه التقنيات من تعقيدات أمام الصحفيين في التحقق من المحتوى المتداول.
وتناول المشاركون دور التقنيات الحديثة في إنتاج مواد يمكن أن تبدو حقيقية، وما يرافق ذلك من تحديات أمام العمل الصحفي في التحقق من المعلومات والصور والمحتوى الرقمي قبل نشره. وتركز النقاش على الحاجة إلى تطوير قدرة الصحفيين على اكتشاف المحتوى المضلل والتعامل معه بحذر، خصوصًا في بيئة تتسم بسرعة تداول المعلومات وصعوبة الوصول إلى مصادر موثوقة في كثير من الأحيان.
السلامة النفسية جزء من السلامة المهنية
لم ينفصل النقاش حول السلامة الرقمية عن الجانب النفسي، إذ تناول المشاركون الضغوط التي يعيشها الصحفيون والصحفيات في ظل الحرب، وما يمكن أن تتركه طبيعة العمل الميداني المستمر من آثار نفسية.
وشارك المختصون في الصحة النفسية ضمن الجلسة في النقاش حول الأعراض المرتبطة بالضغط النفسي، واستراتيجيات الصمود، وأهمية وجود شبكات دعم تساعد الصحفيين على التعامل مع الضغوط التي ترافق عملهم.
وأظهرت التجارب التي طُرحت خلال الجلسة أن قدرة الصحفي على الاستمرار في العمل لا ترتبط فقط بامتلاكه الأدوات المهنية، وإنما تتطلب أيضًا بيئة أكثر وعيًا باحتياجاته النفسية، وآليات تساعده على التعامل مع الضغوط المتراكمة دون أن تتحول إلى عبء إضافي يعيق قدرته على أداء عمله.
نحو صمود إعلامي أكثر أمانًا
وخلص النقاش إلى أن تعزيز الصمود الإعلامي في بيئة هشة يتطلب التعامل مع السلامة بوصفها منظومة متكاملة، تشمل حماية الصحفي، وحماية المصدر والبيانات، والقدرة على التعامل مع التحديات التقنية، إلى جانب توفير مساحات للدعم النفسي.
وفي هذا السياق، وفرت الجلسة مساحة للمشاركين لتبادل الخبرات والتجارب الميدانية، وربط التحديات الرقمية والنفسية بالواقع اليومي للعمل الصحفي، بما يفتح المجال أمام تطوير أدوات وآليات أكثر ملاءمة للظروف التي يعمل فيها الصحفيون والصحفيات في غزة.
وتأتي هذه الجلسة ضمن جهود مركز التنمية والإعلام المجتمعي في إطار مشروع "بناء الحقيقة والمرونة" بالشراكة مع منظمة CFI، لتعزيز قدرة الإعلاميين على العمل في بيئات شديدة الهشاشة، ودعم ممارسات أكثر أمانًا في جمع المعلومات والتعامل مع المصادر والمحتوى الرقمي، إلى جانب الاهتمام بالسلامة النفسية باعتبارها عنصرًا أساسيًا في استدامة العمل الإعلامي.
وتأتي هذه الجلسة ضمن سلسلة من الجلسات الحوارية التي ينفذها مركز التنمية والإعلام المجتمعي في إطار المشروع بالشراكة مع مؤسسة CFI، حيث نفّذ المركز حتى الآن أربع جلسات حوارية تناولت قضايا وتحديات مرتبطة بالعمل الإعلامي، فيما من المقرر عقد الجلسة الحوارية الخامسة خلال شهر سبتمبر/أيلول المقبل
ويُذكر أن مركز التنمية والإعلام المجتمعي (CDMC) مؤسسة إعلامية وتنموية فلسطينية تعمل على توظيف الإعلام كأداة للتغيير الاجتماعي وتعزيز مبادئ حقوق الإنسان، وتمكين الفئات المجتمعية من أدوات التعبير الرقمي الواعي والمسؤول، لا سيما في البيئات المتأثرة بالنزاعات.
