في ظل التحديات المتواصلة التي خلفتها الحرب على قطاع غزة أمام العمل الصحفي والوصول إلى المعلومات الموثوقة، ناقش صحفيون وصحفيات وأكاديميون وممثلون وممثلات عن مؤسسات المجتمع المدني سبل مواجهة التضليل الإعلامي واستعادة الثقة بالإعلام، خلال جلسة حوارية حملت عنوان «مكافحة التضليل واستعادة الخطاب الإعلامي في مرحلة ما بعد الحرب».
وعُقدت الجلسة في مقر مركز التنمية والإعلام المجتمعي (CDMC) في مدينة غزة، ضمن مشروع «الأصوات الحرة: صحافة مراعية للنوع الاجتماعي وبناء الثقة بالإعلام في غزة»، بالشراكة مع WACC، وينفذه مركز التنمية والإعلام المجتمعي. وأدارت اللقاء رهام أبو حسنين، التي قادت النقاش حول واقع المعلومات المتداولة خلال الحرب، وتأثيرها في الجمهور، وآليات بناء خطاب إعلامي أكثر موثوقية في المرحلة المقبلة.
وأكد طاقم مشروع «الأصوات الحرة» أهمية استمرار المساحات الحوارية التي تجمع الصحفيين والصحفيات والأكاديميين وممثلي مؤسسات المجتمع المدني، لما توفره من فرصة لمناقشة التحديات التي تواجه الإعلام، وتبادل الخبرات والتجارب، والخروج بتوصيات عملية تسهم في تعزيز المهنية والموثوقية الإعلامية.
وأشار طاقم المشروع إلى أن مواجهة التضليل الإعلامي لا تتوقف عند التحقق من الأخبار، وإنما تتطلب استثمارًا مستمرًا في التربية الإعلامية والمعلوماتية، وتعزيز مهارات التحقق، ودعم الصحفيين والصحفيات، وبناء خطاب إعلامي مسؤول ومراعٍ للنوع الاجتماعي، بما يسهم في استعادة ثقة الجمهور بالإعلام وتعزيز حقه في الوصول إلى معلومات دقيقة وموثوقة.
الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي
وخلال الجلسة، تناول د. حكمت المصري العلاقة بين الصحافة ومنصات التواصل الاجتماعي، مؤكدًا أن تداول المعلومة عبر منصات التواصل لا يجعل منها مصدرًا إخباريًا بحد ذاته، وأن العمل الصحفي يتطلب الرجوع إلى مصادر موثوقة ورسمية والتحقق من المعلومات قبل نشرها.
ودعا المصري إلى تعزيز التربية الإعلامية والمعلوماتية في المدارس والجامعات، ونشر ثقافة التحقق من الأخبار، إلى جانب رفع مستوى الشفافية وتسريع إتاحة المعلومات الرسمية للجمهور، بما يسهم في الحد من الشائعات والمعلومات غير الدقيقة. كما أشار إلى أهمية تطوير التشريعات ذات الصلة بنشر المعلومات المضللة، والتأكيد على الفصل المهني بين الخبر والرأي.
وفي سياق تحليله للخطاب الإعلامي خلال الحرب، أشار المصري إلى تعدد الخطابات الإعلامية وتوجهها إلى جماهير مختلفة، موضحًا أن الخطاب الإعلامي الإسرائيلي، وفق طرحه، اتخذ مسارين؛ أحدهما موجه للجمهور الإسرائيلي، والآخر للجمهور الخارجي، ولا سيما في أوروبا والولايات المتحدة والغرب، بهدف التأثير في الرأي العام الدولي تجاه الحرب والفلسطينيين.
وفي المقابل، تناول المصري واقع الإعلام الفلسطيني، مشيرًا إلى حضور الإعلام الحكومي الذي ركز بصورة كبيرة على أعداد الضحايا والخسائر، مع وجود فجوات في التوجيه والإرشاد خلال بعض مراحل الحرب، إلى جانب الإعلام الحزبي والحركي، وصحافة المواطن التي برزت بوصفها مصدرًا للمعلومات لدى الجمهور في ظل الظروف الاستثنائية.
التضليل الإعلامي وآلياته
من جهتها، عرّفت الصحافية سماهر الخزندار التضليل الإعلامي بأنه تقديم معلومات زائفة أو وضع معلومات ضمن سياق مضلل بهدف التأثير في فهم الجمهور للحدث، مستعرضة عددًا من الأساليب التي قد تسهم في صناعة خطاب مضلل خلال الحروب والنزاعات.
وتناولت الخزندار، ضمن النقاش، أساليب مثل حذف السياق التاريخي للأحداث، وقلب العلاقة بين الفعل ورد الفعل، وفصل النتائج الإنسانية عن أسبابها، وإخفاء الفاعل من خلال بعض الصياغات اللغوية، واستخدام المبني للمجهول، ونزع الصفة المدنية عن الضحايا، والتشكيك في الشهادات الميدانية والحقوقية.
كما أشارت إلى مخاطر الاعتماد على جهة عسكرية كمصدر أولي للمعلومات دون التحقق المستقل، وإغراق الفضاء الإعلامي بروايات متناقضة قد تؤدي إلى إرباك الجمهور وفقدان الثقة بالمصادر، إضافة إلى تداول صور قديمة أو مجتزأة أو مولدة بالذكاء الاصطناعي، وحملات التشهير التي استهدفت صحفيين وصحفيات فلسطينيين.
شهادات من واقع الحرب
وانتقل النقاش من تحليل الخطاب إلى التجارب التي عاشها المشاركون خلال الحرب، حيث استعرضوا قصصًا وتجارب واقعية ارتبطت بالنزوح والبحث عن مناطق الأمان، والتنقل بين شمال القطاع وجنوبه، وما رافق ذلك من شائعات ومعلومات متضاربة أثرت في قرارات السكان، خصوصًا خلال فترات النزوح والأزمات الإنسانية والجوع.
ولفت المشاركون إلى أن غياب المعلومات الرسمية السريعة والواضحة، وعدم وجود توجيه إعلامي كافٍ للجمهور في بعض مراحل النزوح، إلى جانب تضارب الروايات وغياب التعاطف الكافي مع الضحايا في بعض الخطابات، عزز الاعتماد على صحافة المواطن ومصادر غير رسمية للحصول على المعلومات.
نحو إعلام أكثر موثوقية
وفي ختام اللقاء، ناقش المشاركون سبل بناء خطاب إعلامي موثوق في قطاع غزة، وطرحوا مجموعة من التوصيات، من بينها إنشاء لجنة مركزية للتحقق من الأخبار تتبع جهة وطنية مستقلة، وتعزيز التوثيق القائم على الأدلة والبراهين عند نشر الصور والمعلومات، والاعتماد على مصادر ميدانية موثوقة، وتطوير التشريعات والأطر القانونية المتعلقة بالمعلومات المضللة والمساءلة عن نشرها.
كما شدد المشاركون على أهمية الاستثمار في التوعية والتربية الإعلامية والمعلوماتية، وتعزيز قدرة الجمهور على التمييز بين المعلومات الموثوقة والمضللة، وتشجيع المؤسسات الإعلامية والمجتمعية والأكاديمية على القيام بدور أكبر في نشر ثقافة التحقق والوصول إلى المعلومة من مصادرها الرسمية.
وأكد النقاش أن استعادة الثقة بالإعلام في مرحلة ما بعد الحرب لا ترتبط فقط بمواجهة الأخبار الكاذبة، بل تتطلب بناء منظومة إعلامية أكثر شفافية ومهنية، قادرة على تقديم معلومات دقيقة وفي الوقت المناسب، ووضع الجمهور في قلب عملية الوصول إلى الحقيقة.
يُذكر أن مركز التنمية والإعلام المجتمعي (CDMC) مؤسسة فلسطينية تعمل على توظيف الإعلام كأداة للتغيير الاجتماعي، وتمكين الفئات المجتمعية من أدوات التعبير الرقمي الواعي والمسؤول.
