مركز الميزان يستنكر قرار مجلس السلام استبعاد وكالة الغوث من العمل في قطاع غزة ويؤكد أن "مجلس السلام" يكرس استمرار انتهاكات حقوق الشعب الفلسطيني

تفاجأ العالم بمنشور على منصة إكس يوم الأربعاء الموافق 1/7/2026، قال فيه مجلس السلام إنه لا مكان في مستقبل القطاع لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، مؤكداً أنه يسعى إلى إنهاء ما وصفه بالاعتماد المستمر على المساعدات، وأن سكان غزة يستحقون أكثر من ذلك. وهذا السلوك هو استمرار للنهج الذي تساوق معه المجتمع الدولي في انكار حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، بعد أن تبنى مجلس الأمن الدولي في قراره رقم 2803، الصادر في السابع عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المكونة من 20 نقطة لإنهاء (النزاع) في غزة، والصادرة في 29 أيلول/سبتمبر 2025، وجرى تبنيها في قمة شرم الشيخ في الثالث عشر من تشرين الأول/ أكتوبر 2025، والتي تلاها تأسيس ما أطلق عليه "مجلس السلام" وكذلك اللجنة الوطنية لإدارة غزة وغيرها من التشكيلات.

وهذا القرار شكل صدمة لخبراء القانون الدولي والعاملين في مجال حقوق الإنسان، كونه يشكل تجاوزاً خطيراً لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي الراسخة ومبادئ حقوق الإنسان. ولا يعقل أن يتبنى مجلس الأمن قراراً يتجاهل عشرات القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة وهيئاتها ووكالاتها ناهيك عن انتهاكه لمبادئ وقواعد القانون الدولي الراسخة وفي مقدمته حق الشعوب في تقرير مصيرها.

تتزامن التصريحات الصادرة عن مجلس السلام بشأن (الأونروا) مع تدهور غير مسبوق في الأوضاع الإنسانية، نتيجة مواصلة استهداف المدنيين الفلسطينيين وممتلكاتهم العامة والخاصة، وتدمير المرافق الحيوية والمنشآت التجارية والصناعية، واستمرار الحصار الذي يحرم المدنيين من الإمدادات الضرورية والحيوية وخاصة الغذائية والطبية، إذ تفاقمت الأحوال الصحية وانتشرت الأوبئة والأمراض وتراجع مؤشرات ومعدلات الفقر والبطالة والأمن الغذائي.

تقدم وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في قطاع غزة خدمات لا يمكن الاستغناء عنها وتسهم في خلق حالة من الاستقرار عبر تدخلاتها في مجال التنمية البشرية، والخدمات الإنسانية والتعليم الابتدائي والمهني والرعاية الصحية الأولية والإغاثة والخدمات الاجتماعية والبنية التحتية وتحسين المخيمات والتمويل الصغير والاستجابة لحالات الطوارئ.

وفي الوقت الذي بات فيه اللاجئين الفلسطينيين في أمس الحاجة (للأونروا) شرعت دولة الاحتلال في تقويض دورها من خلال استهداف مرافقها والعاملين فيها، ولم تسمح لها بإدخال الإمدادات الغذائية التي خزنتها مسبقاً خارج قطاع غزة والتي تغطي احتياجات مئات الآلاف من الأشخاص والضحايا، وفي خطوة قانونية وغير مسبوقة أصدر الكنيست الإسرائيلي قانونيين بتاريخ 28 تشرين الأول/أكتوبر 2024، يحظران أنشطة وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في المناطق التي تعتبرها إسرائيل أرض سيادية لها، بما فيها القدس الشرقية، وبموجب القوانين يمنع أي تواصل بين المسؤولين الإسرائيليين و(الأونروا) حيث لم تمنح السلطات الإسرائيلية أي تصريح أو تأشيرات دخول لموظفي (الأونروا) الدوليين إلى الأراضي الفلسطينية بما فيها قطاع غزة منذ نهاية كانون الثاني/ يناير 2025م.

وبالرغم من التداعيات التشغيلية بفعل الإجراءات الإسرائيلية والقيود والتحديات غير المسبوقة، تكافح (الأونروا) من أجل توفير خدماتها وتدخلاتها للمنكوبين والمتضررين والضحايا حيث تشير أحدث البيانات الصادرة عنها والتي تغطي الفترة من (24-30) حزيران/يونيو 2026م إلى استمرار عمل (6) مراكز صحية بالإضافة إلى (4) مراكز صحية مؤقتة، و(28) نقطة طبية. وتلقى نحو (69,000) استشارة صحية، وجرى جمع نحو (6,000) طن من النفايات الصلبة وتم نقلها إلى مكبات مؤقتة، كما جرى توزيع نحو (79) مليون لتراً من مياه الشرب والمياه المنزلية يومياً، وأستفاد الالاف من النازحين من الدعم النفسي والاجتماعي وأنشطة التعلم، وقدمت خدمات الحماية لنحو (4,813) ناجياً من العنف القائم على النوع الاجتماعي و (7,353) طفلاً من بينهم (3.350) طفل غير مصحوب بذويه، وخلال هذه الفترة لم تتمكن من توزيع الطرود الغذائية نتيجة عدم السماح بمرور الامدادات الغذائية إلى القطاع، وتقوم بمتابعة ورصد حركة النازحين[1].

تجدر الإشارة إلى رأي محكمة العدل الدولي الاستشاري الصادر يوم الجمعة الموافق 19/07/2025 والمتعلق بالعواقب القانونية الناشئة عن السياسات والممارسات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك القدس الشرقية. حيث خلصت المحكمة إلى أن استمرار الاحتلال غير قانوني؛ وأن دولة إسرائيل ملزمة بإنهاء وجودها غير القانوني في الأرض الفلسطينية المحتلة بأسرع وقت ممكن؛ والتوقف فوراً عن جميع أنشطة الاستيطان، وإخلاء جميع المستوطنين من الأرض الفلسطينية المحتلة؛ وأن إسرائيل ملزمة بتقديم تعويض عن الأضرار التي لحقت بجميع الفلسطينيين والفلسطينيات أو الأشخاص القانونيين المعنيين في الأرض الفلسطينية المحتلة.

وأكدت المحكمة أن الأرض الفلسطينية المحتلة (الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة) تشكل من الناحية القانونية وحدة إقليمية واحدة يجب الحفاظ على وحدتها واستمراريتها وسلامتها. وأقرت المحكمة بتفتيت وتجزئة إسرائيل للشعب الفلسطيني، رغم أنه بموجب حق تقرير المصير، يتم حماية الشعب من الأعمال التي تهدف إلى تفريق السكان وتقويض سلامتهم كشعب. استند القرار على مبدأين أساسيين، هما حظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وحظر إنكار حق تقرير المصير. وعليه فإن كل ما تقوم فيه إسرائيل من إجراءات هو غير مشروع، ولم تعد تتمتع بكونها بديل عن السلطات المحلية، وهذا الأمر ينخرط على قرارات "مجلس السلام" وعلى وجود المجلس نفسه طالما لم يبادر إلى اتخاذ خطوات جدية لإنهاء احتلال إسرائيل للأرض الفلسطينية وتمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره بنفسه.

إن تجاوز "مجلس السلام" وقرار مجلس الأمن المشار إليه آنفاً ينتهك حق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها، رغم رسوخه منذ تأسيس الأمم المتحدة وفي نص الفقرة (2) من المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة، والمادة (55) من الفصل التاسع من الميثاق، الخاص بالتعاون الدولي والاقتصادي والاجتماعي[2].

مركز الميزان يؤكد على أهمية وقيمة ومكانة الحق في تقرير المصير كأساس للعلاقات الدولية وأساس لا غنى عنه لاحترام حقوق الإنسان. ويشدد المركز على أن ما يسمى "بمجلس السلام" لم يتخذ أي خطوات من شأنها إنهاء الإبادة الجماعية في قطاع غزة وعمليات التطهير العرقي في الأراضي الفلسطينية كافة، بل لعب المجلس دوراً مشبوهاً في احتواء الرأي العام الغاضب والمتصاعد في رفض الإبادة الجماعية، وفي الوقت نفسه سمح لقوات الاحتلال الإسرائيلي بمواصلة الإبادة وتوسيع احتلالها لقطاع غزة، فبعد أن كانت تسيطر على حوالي 50٪ من مساحة قطاع غزة لحظة تبني خطة ترامب وبعد انتهاء المرحلة الأولى من الاتفاق واصلت قوات الاحتلال توسيع سيطرتها لتتجاوز 62٪؜ من المساحة وتواصل جرائم القصف والنسف والتدمير، وأعمال القتل، وفرض قيود صارمة على دخول المساعدات والمواد الإغاثية والمستلزمات الضرورية للإبقاء على  حياة مئات آلاف المدنيين بما في في ذلك استمرار قطع التيار الكهربائي ومنع دخول قطع غيار المولدات والمحركات وزيوتها ومنع دخول إمدادات الوقود، بما يقدم دليلاً واضحاً على أهداف مجلس السلام المزعوم وخطة ترامب.

ويتساوق هذا المجلس مع مخططات إسرائيل ومساعيها الحثيثة للقضاء على وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين. ويبدوا أن القضاء على الأونروا كان واحداً من التزامات الرئيس الأمريكي تجاه إسرائيل، حيث قطع المساعدات عنها منذ ولايته الأولى، ورغم كل محاولات تشويه سمعة الأونروا وأنها ليست طرفاً محايداً إلا أن دولة الاحتلال، ومن ورائها الولايات المتحدة شريكتها في الإبادة الجماعية، فشلت في تقديم أي دليل ملموس على مخالفة الأونروا لشروط ولايتها. إن مهنية الأونروا وحيادها وموضوعيتها موضوع لا يخضع لنقاش وتؤكده شهادات الوكالات والمؤسسات الأممية والمحلية التي تعمل على الأرض بأن الأونروا تقدم خدمات لا يمكن أن يستغني عنها مجتمع اللاجئين الذي يمثل ما يزيد عن 70٪ من الفلسطينيين في قطاع غزة، وأن ولاية ودور الأونروا ينتهيان بإعمال حق العودة للاجئين الفلسطينيين الى ديارهم التي شردوا منها وباقي الحقوق المشروعة وعلى رأسها حقه في تقرير المصير.

مركز الميزان لحقوق الإنسان إذ يعبر عن استنكاره الشديد لقرار ما يسمى "بمجلس السلام" بإنهاء دور الأونروا، ويدعو المجتمع الدولي فرادى ومجتمعين لحماية الأونروا ولتوفير كل الدعم المادي والسياسي لها للقيام بدورها الحيوي.

كما يشدد مركز الميزان على أن السبيل الوحيد للاستقرار والسلام في هذه المنطقة يبدأ بوقف حرب الابادة التي تشنها قوات الاحتلال على القطاع منذ ما يزيد عن ألف يوم وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية المحتلة، وهو ما أكدت عليه محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري، وإعمال مبدأ وملاحقة مجرمي الحرب ومحاسبتهم ولاسيما من صدرت بحقهم مذكرات توقيف من قبل المحكمة الجنائية الدولية.

 

[1] وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين في الشرق الأدنى. تقرير رقم (228) حول الازمة الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة. https://2u.pw/DJLoaK

[2] ميثاق الأمم المتحدة يمكن مراجعته على الرابط: https://www.un.org/ar/about-us/un-charter/full-text

اشترك في القائمة البريدية