جمعية "إبداع المعلم" بالتعاون مع جامعة القدس المفتوحة فرع جنين تناقش ثنائية الذكاء الاصطناعي في الجامعات: هل هو ضرورة معرفية أم أداة لتغييب العقل؟

في زمن تتفوق فيه الخوارزميات على البديهة البشرية، وتُختصر فيه المعرفة في نافذة دردشة، أطلقت جمعية مركز إبداع المعلم بالتعاون مع جامعة القدس المفتوحة فرع جنين، ندوة حوارية استثنائية ضمن برنامج "أصوات من أجل الحقوق"، تحت وسم: "استخدام الذكاء الاصطناعي لطلبة الجامعات بين الضرورة المعرفية وتغييب العقل".

اللقاء الذي احتضنته جامعة القدس المفتوحة/جنين، وأداره منسق تعاونية الاعلام التربوي في الحملة العربية للتعليم أ. نسيم قبها، قد جمع نخبة من الخبراء والمفكرين على منصة واحدة، ليس لتقديم إجابات جاهزة، بل لقلب الأسئلة الكبرى حول مستقبل التعليم في زمن " الذكاء الاصطناعي" وما شابهه.

وكان قد استهل افتتاح الجلسة الحوارية الأستاذ خالد ابو الهيجا المساعد الأكاديمي للجامعة فرع جنين بكلمة ترحيبية بالحضور، شاكرا جمعية مركز إبداع المعلم على هذا التعاون الفاعل ، والذي يأتي في سياق واقعي مشتبك.

صراع الأجيال: الأداة مقابل العقل

البروفيسور عمر عتيق، الأستاذ الدكتور في جامعة القدس المفتوحة، أطلق أولى الرصاصات الفكرية قائلاً:

"للمرة الأولى في التاريخ، نُخاطر بتسليم مفاتيح الفضول البشري إلى آلة لا تشعر بالدهشة. الذكاء الاصطناعي أداة هائلة، لكنه حين يصبح البديل عن التفكير، فإننا نخرّج طالباً ناجحاً تقنياً لكنه فاشل إنسانياً." وحذّر عتيق من أن الاستخدام المفرط وغير النقدي لهذه التقنيات قد يخلق جيلاً يعرف كيف يسأل الروبوت، لكنه نسي كيف يشك في إجابته.

أمامه، قدم المحاضر المتفرغ في نظم المعلومات الحاسوبية، أ. إبراهيم رمضان، رؤية مختلفة لكنها مكملة. دعا رمضان إلى "التمرد الإيجابي" على الأدوات الرقمية، قائلاً: "لا يمكن لأي جامعة اليوم أن تتجاهل الذكاء الاصطناعي كضرورة معرفية، لكن جوهر التعليم ليس في الحصول على الإجابة، بل في بناء السؤال. من يظن أن هذه التقنيات تغيّب العقل، فهو يخوض معركة خاسرة؛ النجاح يكمن في تعليم الطالب كيف يكون سيد الخوارزمية لا عبدها."

حالة فلسطينية خاصة

في سياق فلسطيني يعاني من احتلال يكبل الحراك الأكاديمي ويقطع أوصال المعرفة عبر الحواجز، اتخذ النقاش منحى وجودياً. هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون جسراً للطلبة الفلسطينيين نحو موسوعات العالم المغلقة؟ أم أنه قد يكرس عزلة تعليمية جديدة، حيث تُستبدل "المعرفة" بـ"ردود سريعة" لا تعكس تعقيدات الواقع الفلسطيني؟

الحضور الأكاديمي و الشبابي تفاعل بحماس، فكانت الأسئلة من مدير اللقاء صادمة أحياناً: "كيف نميز بين بحث أصلي وآخر مُولد بالكامل عبر الذكاء الاصطناعي؟"، "هل نحن أمام أزمة أخلاقية أم مجرد أزمة تكيف؟"

وقد توالت إجابات الدكتور عمر عتيق والأستاذ إبراهيم رمضان بشكل حواري مع أسئلة الأستاذ نسيم قبها الحوارية المفضية للالتقاط وجهات النظر المدعّمة بالبراهين ، ومع أسئلة الحضور التي انصبت في الممارسة التعلمية في واقع الذكاء الاصطناعي.

هذه الفعالية التي أقيمت بدعوة خاصة، جاءت ضمن مشروع "تعزيز مشاركة الشباب والمجتمع من أجل التماسك الاجتماعي"، الذي ينفذه مركز إبداع المعلم بالشراكة مع الوكالة الفرنسية للخبرة الدولية، وتمويل من الاتحاد الأوروبي. وما يلفت النظر أن النقاش لم يكن تقنياً جافاً، بل حواراً حقوقياً بامتياز، يتلمس حق الطالب الفلسطيني في تعليم يحترم عقله، لا يفرغه من محتواه.

مدير المناظرة، أ. نسيم قبها، خلص في كلمته الختامية إلى نتيجة مفادها: "ليست المعضلة في الذكاء الاصطناعي نفسه، بل في غياب الوعي النقدي المصاحب له. من حق الطالب أن يستخدم كل ما يتيحه العصر، لكن واجبه أن يظل هو المفكر، لا المتلقي الأعمى."

بهذا المعنى، لم تكن ندوة اليوم مجرد فعالية أكاديمية عابرة، بل كانت "صوتاً من أجل الحقوق" في أنقى صوره: الحق في عقل يقاوم التغريب الرقمي من قلب جامعة القدس المفتوحة / جنين ، والحق في تعليم يصنع بشراً، لا مستخدمين.

 

اشترك في القائمة البريدية