عن الفاعليات الاحتجاجية في غزة

عن الفاعليات الاحتجاجية في غزة

بقلم .. محسن أبو رمضان

تؤكد التقارير الدولية والمحلية خطورة الاوضاع التي يعيشها المواطنين في قطاع غزة بكافة فئاتهم الاجتماعية وذلك بسبب حصار مديد وطويل لأكثر من عشر سنوات مصحوباً بثلاثة عمليات عسكرية وعدوانية واسعة تم تدمير بها البنية التحتية والمرافق الانتاجية واصبحت قطاعات واسعة من الناس تعيش تحت خط الفقر وبنسبة بطالة عالية وخاصة بين صفوف الشباب ، وإذا ادركنا الكثافة السكانية الهائلة ومحدودية الارض وشح وملوحة المياه وأزمة الكهرباء ومنع الحركة للبضائع والافراد، نجد ان هذه الازمة ستكون عميقة وممتدة .

لقد ساهم الانقسام بتعميق الازمة الاقتصادية والمعيشية لدى المواطنين في قطاع غزة ، حيث انعكست المناكفات سلباً على كافة مقومات الحياة الاقتصادية والانسانية وخاصة في القطاع الصحي من حيث نقص الادوية والمستهلكات الطبية وصعوبة اجراء التحويلات الطبية إلى جانب نقص السولار الذي يشغل مولدات الكهرباء .

تفاقمت الاوضاع المعيشية سوءً بعد قرارات السلطة التي نفذت بالربع الاول من العام الماضي والقاضية بالخصم على علاوات الموظفين العموميين بنسبة لا تقل عن 30% إلى جانب الاعداد الهائلة الذين يتم احالتهم للتقاعد المبكر ، الامر الذي ادى إلى تعقيد المشهد الاقتصادي والمعيشي وساهم بانحدار قطاع واسع من الطبقة الوسطى إلى ما دون خط الفقر .

أمام تردي الاوضاع وزيادة مأساويتها بسبب الحصار وتعثر عملية اعادة الاعمار وبطئ مسار المصالحة الوطنية ، فقد قررت قطاعات اقتصادية واجتماعية مختلفة بالتحرك وذلك عبر تنفيذ انشطة وفاعليات احتجاجية على هذا الوضع المأساوي .

فقد قامت مؤسسات القطاع الخاص بتنفيذ اضراب تجاري وكذلك وقف العمل لمدة يوم على معبر كرم ابو سالم وخاصة إذا ادركنا ان عدد الشاحنات تقلصت من 800 إلى 300 باليوم الواحد وهو ما لا يكفي للحد الادنى من متطلبات السوق ، علماً بأن الازمة الاقتصادية ادت إلى نقص السيولة النقدية عند عدد واسع من التجار الذين اصبحوا ملاحقين قضائيين بسبب رجوع شيكاتهم والناتجة عن تردي الاوضاع .

لقد رفع القطاع الخاص شعار ” بكفي حصار وبدنا نعيش ” الأمر الذي يستشف منه أن هذه الفاعليات الاحتجاجية تريد ان تطلق صرخة غضب موجه اساساً ضد الاحتلال وابرز تجلياته الحصار ، كما انه يوجه رسالة إلى المنظمات الدولية وخاصة التابعة للأمم المتحدة بضرورة التحرك الفاعل للضغط على اسرائيل لإنهاء هذا العقاب الجماعي المجسد بالحصار ، و في ذات الوقت فإنه يرسل رسالة سلمية وديمقراطية ووطنية إلى طرفي الانقسام لإنهاؤه وتحقيق المصالحة الوطنية التي لم يلمس نتائجها المواطن حتى هذه اللحظة على العكس من ذلك فقد زادت الاوضاع سوءً واستمرت بعض من هذه الاجراءات العقابية المفروضة على القطاع .

وبالوقت الذي تحركت مؤسسات القطاع الخاص فإن الشباب ايضاً يحاولوا رفع صوتهم من خلال تنظيم فاعليات وانشطة تعكس آلامهم ومعاناتهم وخاصة بما يتعلق بطوابير الخريجين الذين لا يجدوا فرص عمل وكذلك الطلاب الذي لا يتمكنوا من الوصول إلى مقاعد الدراسة ، الأمر الذي يعكس رغبة من المجموعات الشبابية لإسماع الصوت والعمل على دق ناقوس الخطر بخصوص مستقبلهم ،حيث ان نسب الفقر والبطالة المرتفعة بين صفوفهم ستؤدي إلى انعكاسات سلبية على وحدة النسيج الاجتماعي وستخلق افات اجتماعية حادة بالمجتمع .

ويشار هنا إلى أن بعض المجموعات الشبابية قد بدأت بسلسلة من الخطوات التي من شأنها ان تلفت نظر المجتمع الدولي لقضياهم وقضية اللاجئين ايضاً وخاصة بعد قرار ترامببتقليص المساهمات الامريكية المالية إلى الاونروا من خلال اقامة مخيم العودة على حدود قطاع غزة ، علماً بأن القوى السياسية بدأت بالتفاعل مع هذه الفكرة وبما يضمن تنظيم مسيرات سلمية كبيرة ومستمرة هناك تحت قيادة واشراف وتوجيه وضبط من القوى والفصائل مجتمعية وذلك بهدف لفت انتباه العالم إلى الواقع المأساوي اقتصادياً واجتماعياً وانسانياً الذي يعيشه ابناء القطاع ، كما ترافقت الفاعليات الاحتجاجية مع قيام بعض القوى السياسية بتنظيم فاعليات مشابهة تحقيقاً لذات الهدف.

إن نظرة لطبيعة هذه الحراكات والفاعليات نجد ان المشترك بها هو الشعور الواعي بسوء تردي الاوضاع والرغبة بتغيرها بعد وصولها إلى منحدرات خطيرة وذلك عبر اسماع الصوت بصورة سلمية و ديمقراطية ، وبأنها وجهتها اساساً ضد الاحتلال والحصار وثانياً إلى المجتمع الدولي الذي يشارك بمؤامرة الصمت ، حيث ان التقارير وحدها بالوقت الذي تنبه الراي العام إلا ان لا تساهم في انهاء سوء الاوضاع ، حيث ان الاخيرة بحاجة إلى أدوات ضغط قانونية واقتصادية وحقوقية وسياسية ، تبرز تحمل المجتمع الدولي لمسؤولياته تجاه اكثر من 2 مليون انسان فلسطيني يعيشوا في معتقل كبير ، كما انها توجه رسالة سلمية لطرفي الانقسام عبر حثهم على انهاؤه وتقديم كل التسهيلات الرامية لتحقيق نظام سياسي فلسطيني ديمقراطي موحد ومبنى على الشراكة ، يقوم بدروه وبواجباته باتجاه تعزيز صمود الناس كأحد شروط النضال من اجل انهاء الاحتلال وتحقيق حقوق شعبنا بالحرية والاستقلال .

إن استمرارية الفاعليات الديمقراطية والسلمية بالقطاع يجب ان يرتبط ايضاً بالبعد الوطني من خلال التمسك بالثوابت وحقوق شعبنا ورفض كل المؤامرات عليه وخاصة قرارات ترامب تجاه القدس واللاجئين في محاولة لحسم قضايا الحل النهائي وباتجاه يعمل على تصفية قضية شعبنا.

اصاب منظمو الفاعليات الاحتجاجية واحسنوا صنعاً حيث ان هناك حاجة إلى رفع صوت ووضع الجميع امام مسؤولياته خاصة إذا ادركنا أنه يوجد علاقة ترابطية بين صمود الناس وبين استمرارية تحقق الاهداف الوطنية .

مقالات ذات صله