المشروع الوطني الفلسطيني من منظور المجتمع المدني

المشروع الوطني الفلسطيني من منظور المجتمع المدني

 بقلم / محسن ابو رمضان

اوضح تقرير الأسكوا الذي ازعج دولة الاحتلال وقامت هي وحليفتها الولايات المتحدة بالضغط على الامين العام للأمم المتحدة بسحبه ، الأمر الذي ادى إلى استقالة الأمينة العامة أ. ريما خلف انتصاراً لضميرها الانساني ، طبيعة السياسة الاسرائيلية المبنية على آلية التميز العنصري.

اسرائيل قامت بتجزئة المناطق الفلسطينية وفرضت سياسات وقوانين وأدوات وآليات مبنية على الاستعمار الكولنيالي الاحلالي والتميزي في تجاوز واضح للقانون الدولي الانساني ومبادئ حقوق الانسان وبما يعكس الطابع العنصري للمشروع الصهيوني الاقلاعي بحق شعبنا .

لقد قامت اسرائيل بفصل القطاع عن الضفة وفصل القدس عنهما ، كما فصلت بين مناطق الضفة مستغلة اتفاق اوسلو الذي تعامل مع الاراضي المحتلة كأراض متنازع عليها وفرضت حصاراً ظالماً على قطاع غزة كما فرضت انظمة وتشريعات تجاه المواطنين الفلسطينيين في مناطق 48 ذات طبيعة تميزية تطال مجالات الحياة بالصحة والتعليم والعمل إلى جانب عمليات هدم البيوت وإزالة بعض القرى والتجمعات السكانية ومصادرة الاراضي كما جرى مع قرية ام الحيران وغيرها .

المشروع الصهيوني على ارض فلسطين هو مشروع استعماري يهدف إلى تفتيت وحدة الارض والشعب والهوية وتحويل الشعب الفلسطيني إلى مجموعات سكانية متناثرة بعيداً عن حقها في تقرير المصير ، حيث هناك رفضاً صهيونياً جماعياً تجاه هذه الفكرة  والتي تعتبر نقيضاً للمشروع الصهيوني المستند إلى المقولة الزائفة ” فلسطين ارض بلا شعب لشعب بلا ارض ” .

كل المشاريع الاسرائيلية منذ عام 67 إلى الآن ترفض الاعتراف بحق شعبنا في تقرير المصير وتعتمد مشاريع تستند إلى الإدارات الذاتية والمحلية ، لذلك فهي ترفض قرارات الامم المتحدة ذات الصلة بالقضية الفلسطينية وتعتدي على القانون الدولي الانساني ومبادئ حقوق الانسان ، علماً بأن الاعتراف الاعلامي احياناً بمشروع حل الدولتين من قبل قادة حكومة الاحتلال التي روجت له الإدارات الامريكية السابقة ،وخاصة في عهد الرئيس بوش الابن كان يتم لأهداف دبلوماسية ولكنه لا يستند إلى قناعات بأي حال من الاحوال.

لقد اصبح واضحاً معالم الصفقة الكبرى التي يعكف الرئيس الامريكي ترامب على بلورتها ، فهي تستند للتصور الاسرائيلي للحل القائم على ترسيم وتطبيع العلاقات العربية الاسرائيلية دون ربط ذلك بحق شعبنا بتقرير المصير وانهاء الاحتلال ، على أن يتم معالجة الملف الفلسطيني وفق آليات السلام الاقتصادي وفي الاطار الاقليمي بعيداً عن مقومات السيادة الفلسطينية .

الإدارة الامريكية الجديدة عبر مبعوثيها تحاول ان تقلب معادلة مبادرة السلام العربية عبر تقديم التطبيع على حق شعبنا بالحرية والاستقلال ، كما تركز على محاولة كي الوعي الوطني الفلسطيني عبر  تغير معالمه الثقافية من خلال التركيز على تغير المناهج تحت حجة منع التحريض واسماء الشوارع وإزالة اسماء الشهداء بالميادين والضغط لوقف مخصصات المعتقلين واسر الشهداء والجرحى وذلك بدلاً من قضية الاستيطان التي تعتبر تعدياً على القانون الدولي وخاصة قرار مجلس الامن 2334 والمعيق الرئيسي لفرص اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ولمشروع حل الدولتين .

إن تصريحات نتنياهو الاخيرة بناءً على أحداث المسجد الاقصى الاخيرة والتي اكد بها ان اسرائيل لن تنسحب من الضفة وستبقى سيطرتها على الاقصى والقدس لهي دليل واضح إلى جانب عمليات الاستيطان ومصادرة الاراضي ان اسرائيل تسير وفق مخططها التصفوي  للقضية الفلسطينية على قاعدة نهجها الاستعماري والعنصري .

وعليه فإن وحدة شعبنا عبر مؤسساته التمثيلية الجامعة وخاصة م.ت.ف تشكل المفتاح والمدخل الأهم باتجاه التصدي لسياسة التجزئة والتفتيت الاحتلالية ، بما يعيد الاعتبار لقضية شعبنا بوصفها قضية تحرر وطني وديمقراطي ، وحتى يتم ذلك لا بد من انهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية والسير وفق ما تم الاتفاق عليه باتفاقات المصالحة ” القاهرة ، الشاطئ ، الدوحة ” وذلك عبر تفعيل للاطار القيادي المؤقت للمنظمة وتشكيل حكومة وحدة وطنية والتحضير للانتخابات الرئاسية وللمجلسين الوطني والتشريعي ، والعمل على صيانة نظام سياسي فلسطيني ديمقراطي تعددي يعتمد الشراكة بدلاً من الاقصاء والإدارة الجماعية  لصناعة القرار .

ادى الانقسام إلي تقويض المؤسسات الفلسطينية التمثيلية والجمعية وأدى إلى تقليص مساحة الحرية والديمقراطية وتراجعت حالة حقوق الانسان حيث تم سن سلسلة من القوانين والتشريعات دون اشراك الآخرين واصحاب المصالح وتم تسيس القضاء وتحولت السلطات إلى إدارات مركزية وذلك في اطار الحرص على البقاء والاستمرار بها ، علماً بأن اعطاء مساحة واسعة من حرية الراي والتعبير والتجمع السلمي والتشكيل الحزبي والنقابي يعتبر عنصر تقوية للحكومات وليس عنصر اضعاف لأن تراكم الكبت والقهر يؤدي إلى تفكير الناس بالتعبير عن انفسهم بعيداً عن الوسائل الديمقراطية وتدفعهم نحو التطرف الأمر الذي سيؤثر سلباً على وحدة النسيج الاجتماعي ويؤدي إلى اضعاف تماسكه .

إن إعادة الاعتبار للمشروع الوطني الفلسطيني يجب ان يستند إلى أننا ما زلنا نمر في مرحلة تحرر وطني وديمقراطي الأمر الذي يتطلب تجاوز الرهان على مسار المفاوضات ومساعي الإدارة الأمريكية لها والعمل على تحسين موازين القوى المحلية عبر اطلاق طاقات الشعب في كفاحه الجماهيري المشروع في مواجهة الاحتلال والاستيطان والتمييز العنصري كما يجب أن يستند إلى البعد الديمقراطي من خلال السعي إلى بناء نظام ديمقراطي تعددي بعيداً عن الاقصاء والمركزية وبما يتيح المجال لمنظمات المجتمع المدني لأن تأخذ دورها سواء بالكفاح الوطني عبر تعزيز مقومات الصمود والتشبيك مع قوى التضامن الشعبي وتعزيز حملة المقاطعة وكذلك بالبعد الديمقراطي من خلال حقها بالرأي والتعبير والتجمع السلمي والانتقاد الهادف للإصلاح وتصويب المسار وتجاوز الاختلالات وبهدف اقامة حكم ديمقراطي رشيد بعيداً عن الفئوية والعشائرية السياسية ويستند إلى مبدأ المشاركة .

إن قوانين الجرائم الالكترونية وملاحقة واعتقال الصحفيين ونشطاء برامج التواصل الاجتماعي والتهم الموجهة للبعض بالتحريض ومحاولات زعزعه نظام الحكم أو الاساءة للقامات الكبرى وغيرها من المسميات قد تم تجريبها بالعديد من البلدان ولكنها أدت إلى خلق هوة واسعة ما بين الحكم والمجتمع من جهة إلى جانب اضعاف البعد الحضاري للنقد البناء الذي ينتمى إلى فكر المجتمع المدني الامر الذي يساعد على استبدال هذا الدور بأدوار للمجموعات والشخصيات المتعصبة والمتطرفة بما ينعكس بالسلب على السلم الاهلي والتماسك الاجتماعي ويعمق الاحتقان والتوتر بالمجتمع بدلاً من احترام الراي البناء والديمقراطي والحضاري .

إن الديمقراطية تعتبر شرطاً لقوى المجتمع المدني لكي تقوم بدورها الوطني والتنموي والحقوقي في اطار نظام سياسي وطني وديمقراطي يعتمد المواطنة و الشراكة واحترام وتقبل الاخر .

إن التحركات الشعبية العارمة التي تمت بالقدس انتصاراً لها في مواجهة السياسات العنصرية والتهويدية الاسرائيلية يجب ان تدفع صناع القرار للاتفاق على مغادرة مربع الانقسام والانتقال إلى مربع الوحدة الوطنية .

إن خطاب الرئيس ابو مازن الداعي للمصالحة وتجميد التنسيق والاتصال مع الاحتلال والذي رحبت به حركة حماس وبعض الفصائل يمكن ان يوفر مناخات ايجابية يجب استثمارها من خلال الدفع بمبادرة سياسية ومجتمعية ترمي إلى وقف اجراءات الرئيس تجاه قطاع غزة بالتزامن مع حل اللجنة الادارية التابعة لحركة حماس وتشكيل حكومة وحدة وطنية فوراً للتصدي للمشكلات العالقة وتحضر لانتخابات وطنية شاملة .

يجب الخروج من دائرة التلاوم والتفكير بالمستقبل بهدف تجاوز عشرة سنوات من الاستنزاف والاضعاف الداخلي  حيث تعتبر الوحدة قاعدة أساسية للانطلاق من اجل تحقيق حقوق شعبنا الثابتة والمشروعة .

مقالات ذات صله