من تدابير الاحتواء إلى تداعيات الانفتاح!

من تدابير الاحتواء إلى تداعيات الانفتاح!

بقلم/ م. تيسير محيسن

طوال فترة عملي في جمعية الإغاثة الزراعية، كنت أحرص دوما على إيجاد تعريف أكثر دقة لعملنا سواء في المكتب أو في الميدان. وكثيرا ما تساءلت عن القيمة المضافة التي يجلبها هذا العمل الذي يحمل تسميات وتوصيفات مختلفة؛ وخصوصا ذاك الذي لا تجد له مكانا في خارطة التقسيم الاجتماعي للعمل.

من نحن؟ مزودو خدمات؟ ناقلو تكنولوجيا؟ بناة قدرات؟ أناس يعملون على تعبئة جماهير الريف وتنظيمهم وتعظيم نفوذهم واسماع أصواتهم لأصحاب القرار وراسمي السياسات؟ حقا، ماذا نسمي عملنا. ولما كنا نعمل في مجال الزراعة وتنميتها، فإن تسمية ما نقوم به يكتسب ضرورة إضافية. عملنا يرتبط بالأرض وبتعزيز الصمود فوقها والتمسك بها وبكل ما يتصل بذلك من قيم وممارسات وسلوكيات. من هنا، شاعت في أوساطنا تعبيرات ومسميات من قبيل “وكلاء التغيير”، “منسقين ميدانيين”، “ممارسي وعمال التنمية”، “مرشدين زراعيين” إلى أن اهتدينا إلى تعبير “مرشد تنموي” وحاولنا جاهدين أن نحقنه بما نرغب من المعنى والمضمون حتى يصبح شائعا ومتعارفا عليه، وحتى معتمدا ويحظى بشرعية التقسيم الاجتماعي للعمل.

أخيرا، واستنادا إلى منهجية “المهمة المركبة” وجدنا أن وظيفة “المرشد التنموي” يمكن تقسيمها إلى 3 كفايات أساسية: الخبرة الفنية، التعليم والتعلم، الدفاع والمناصرة. وبالمناسبة يقابل ذلك في عالم التنمية العمليات الأساسية التي تقوم بها المنظمات: تقديم الخدمات، بناء القدرات، المناصرة.

أثناء عملي على تجميع معلومات وبيانات وقصص لمقالي الحالي، وقعت على مقال لبرنارد مار، بعنوان “8 مهارات وظيفية لتحقيق النجاح في عالم ما بعد فيروس كورونا” في هذه العجالة سوف أتوقف عند أبرز هذه المهارات اللازمة-من وجهة نظري- للمرشد التنموي كي يقوم بوظائفه على نحو من الدقة والكفاءة وترتبط ارتباطا واضحا بالكفايات الثلاثة المذكورة.

يقول برنارد مار أن ثمة الكثير مما نجهله الآن عما سيكون عليه العالم فور التغلب على الجائحة والتعافي منها. يرجح، من بين أشياء كثيرة، أن تتغير أماكن العمل، ويزداد الطلب على مهارات جديدة أو مهارات بعينها، تظهر مهن جديدة وتختفي أخرى وهكذا.

المهارة الأولى التي يتحدث عنها المؤلف، في استعادة أو تأكيد على ما بات معروفا في سياق الحد من مخاطر الكوارث من تقليل الانكشاف (الضعف)، هي القدرة على التكيف والمرونة (الصمود والمنعة). المرشد التنموي يعمل في بيئة شديدة التغير وتنطوي على تهديدات جمة، ارتباطا بممارسات الاحتلال أو تغير المناخ أو حتى عجلة التطور التقني وتسارع عمليات اجتماعية من قبيل التحضر والتوسع العمراني والزيادة السكانية وغير ذلك، وعليه لا يصبح المرشد التنموي تنمويا بهذا المعنى إلا إذا امتلك عدة “الحد من المخاطر” وكان هو ذاته قادرا على استيعاب التغيير والاستجابة الخلاقة والمرنة للضغوطات والمؤثرات الخارجية.

المهارة الثانية هي مزيد من الذكاء التكنولوجي، وربما حتى بلغة المؤلف الدهاء، سواء تعلق الأمر بالتحولات الرقمية السريعة وطرق استخدامها وتوظيفها في التعبئة والإرشاد وبناء القدرات والتواصل، أو بالتكنولوجيات الزراعية الملائمة وتعليم المزارعين عليها عبر ما يسمى في عالم الارشاد بنقل التكنولوجيا والتعليم عليها.

طبقا لتجارب عدة في أكثر من مكان إبان الجائحة تبين مدى الأهمية التي تمتلكها مهارة “الإبداع والابتكار”. طرق جديدة لتقديم الخدمات وتوصيلها بالرغم من تدابير الاحتواء والحماية، التحول السريع نحو إنتاج سلع مختلفة (شركة صناعة سيارات تحولت إلى إنتاج أجهزة تنفس)، بالتأكيد سيكون العالم ما بعد التغلب على الجائحة أحوج لمزيد من الابتكارات والابداعات على طريق التعافي الشامل والبدء من جديد وإعادة البناء بصورة أفضل. ضمن المنظومة الحاكمة للتعلم من الخبرة، حيث تبدأ (أو يمكن أن تبدأ) بالفعل ومن ثم التفكير والتأمل في الفعل ونتائجه المباشرة وتاليا إعادة تصويبه أو تعديله أو تطويره (العلاقة الجدلية بين الخطاب والممارسة)، لا بد للمرشد التنموي من امتلاك مهارات الابداع والابتكار على مستوى تصميم التدخلات، تنفيذها وتقييم نتائجها، وأيضا على مستوى تحديد طبيعتها ومعايير جودتها، وكذلك على مستوى فهم السياقات المحلية الصغرى والكبري للمشاريع المنفذة، فهم البيئة المحيطة والقدرة على التعامل مع المشكلات التي تظهر (كفاءة ونزاهة والتزام) يقابلها مجتمعيا (مشاركة ومساءلة وملكية).

إن ابتكار الحلول الخلاقة للمشاكل التقنية أو الإدارية أو تلك التي تتعلق بالعلاقة مع الناس تعتبر واحدة من أهم كفايات المرشد التنموي. تضاف إلى هاته المهارة ما نطلق عليه “التفكير النقدي”. تعرض الناس إبان الجائحة إلى كم هائل من الأخبار المزيفة والتضليل في البيانات والدراسات، حيث يحاول القادة والشركات والحكومات تحويل اللوم ولفت الانتباه. لا ينبغي الوثوق بكل المعلومات، وعليه تحتاج المنظمات إلى الاعتماد على التفكير النقدي لفهم ما هي المعلومات التي يجب أن تفيد عمليات اتخاذ القرار. وهذا ما يتوجب على المرشد التنموي عمله وإتقانه.

يعتبر التوجيه واحدة من أهم وظائف الإدارة الأربعة، وتشمل القيادة والتحفيز والاتصال. عالم ما بعد كورونا سوف يكون في أمس الحاجة لشخصيات كرزماتية قادرة على الحسم والالهام وجلب الناس للعمل سويا والتعاون في إطار الفرق علاوة على الجانب المهني المتخصص. العمل مع الناس ومن أجل الناس لا يستقيم دون شخصيات ملهمة وتتمتع بسمات قيادية واضحة وتتحمل المسؤولية دون تذمر أو تأفف. الجانب الآخر في القيادة هي القدرة على توجيه الناس بالمثل وتحريكهم بالقدوة فلا يكونوا كالذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم.

يضيف الكاتب مهارة أخرى مرتبطة بالقيادة ولا تنفصم عنها وهي “الذكاء العاطفي”، والتي تزداد أهميتها في الأوقات المضطربة والصعبة؛ وتتمثل في القدرة على إدراك مشاعرنا وعواطفنا والتعبير عنها والسيطرة عليها ويصاحبها أيضا دراية تامة بمشاعر الآخرين (المستفيدين والشركاء وقادة الرأي وأصحاب المصلحة ومزودي الخدمات وغيرهم)، وبالطبع درجة عالية من احترام وتفهم هذه المشاعر.

أخيرا، ووفقًا للمنتدى الاقتصادي العالمي، في غضون خمس سنوات فقط، ستتغير 35% من المهارات التي تعتبر ضرورية اليوم. هناك طريقة واحدة فقط للبقاء على صلة بواقع ما بعد كورونا؛ الالتزام بالتعلم مدى الحياة! أنت لا تتعلم من الخبرة الحياتية والممارسة العملية فحسب، وقد أسلفنا كيف يتم الأمر، بل ومن خلال التدريب على أنواعه وأشكاله ومنهجياته؛ وهناك دورات مجانية ومفتوحة لا نهاية لها على الإنترنت متاحة ستساعدك على تحسين مهاراتك. شخصيا، اعتدت في الآونة الأخيرة على تشجيع مرؤوسي من المرشدين التنمويين أن يلتزم كل منهم بقراءة 3 مقالات أو دراسات قصيرة ذات صلة (على الأقل) باللغة الإنجليزية فيما أطلق عليه التعلم من خلال PDF، ومن لا يفعل فلا يحسبن نفسه على مهنة الارشاد التنموي.

نختم هذا المقال بالقول أن للجائحة تأثيرات واسعة النطاق على مستوى العالم. ولما كان من المستحيل التنبؤ بدرجة عالية من اليقين بالتأثيرات على الاقتصاد والسياسة والمجتمع، فالأمر في حاجة لمراحل متعددة من التحليل، مع متغيرات مختلفة في كل مرحلة. المستوى الأول من التحليل ما هو جاري حاليا من استكشاف التأثيرات على الصحة العامة وتدابير الاحتواء. الثاني يتعلق بالتأثير الاقتصادي ومن ذلك ما عرجنا عليه من مهارات مطلوبة للوظائف الجديدة أو المتجددة. وأما المستوى الثالث فيرتبط بالسياسة وتحليل علاقات القوة واختلالها واستعادة توازنها. بما في ذلك توطيد أو إضعاف القيادات السياسية والتحولات المحتملة للقيادة والتماسك الاجتماعي. المستوى الأخير يتعلق بديناميكيات المنظومة الدولية بأبعادها واتجاهاتها المختلفة، سواء كانت بالتسريع أو بالعرقلة أو عكس الاتجاه.

مقالات ذات صله