احتدام “الحرب” على كورونا: المجتمع المدني في الميدان!

احتدام “الحرب” على كورونا: المجتمع المدني في الميدان!

بقلم/ م. تيسير محيسن[1]

تمثل أزمة كورونا “فرصة” للمجتمعات المدنية في العالم لإثبات جدارتها وأهميتها والتخلص مما علق بها وحولها من أوهام وتصورات ومواقف خاطئة، والأهم إعادة إنتاج ذاتها اجتماعيا ضمن سياقاتها الوطنية وبما يجعلها تقلل إلى الحد الأدنى من اعتماديتها على التمويل الخارجي وأجنداته.

بعد مرور أكثر من شهرين على انتشار وباء كورونا في العالم بدأت أوساط مختلفة تسلط الضوء على التداعيات المحتملة للوباء على الصعد كافة بعد أن اقتصر التركيز في البداية على الأبعاد الصحية وإلى حد ما الاقتصادية. في هذه المقالة سوف أعرض لتأثير الوباء على عمل منظمات المجتمع المدني؛ ومساهماتها في جهود محاربة الفيروس وأيضا الجدل الفكري الذي انطلق في أوساط النشطاء والمهتمين. لعل أبرز القضايا التي اشغلت المجتمعات المدنية واشتغلت عليها؛ التباعد الاجتماعي ومواصلة الدفاع عن الحريات الأساسية والحقوق، استعادة التضامن على المستويات المحلية والعالمية، مواجهة تفاقم التفاوت وانفلات ديناميات السلطة.

في زمن كورونا وتسارع الأحداث، لم يعد من المجدي اعتماد نظرية بعينها للتغيير؛ ذلك أن هذا الزمن وما بعده يتسم بكثير من التعقيد وعدم اليقين؛ في مواجهة ذلك تجتهد منظمات المجتمع المدني في الجمع بين الاستجابة السريعة والتفكير المنظم والمنهجي ومن ثم التعلم من التجربة وتراكم الخبرة وبناء النماذج الناجحة وتعميمها.

إن نجاح التغيير يتطلب إعادة تقييم الأوضاع باستمرار وتطوير الحلول والتدخلات الإبداعية. هذا ويتطلب التدخل الإبداعي الجمع الناجح والحساس بين استراتيجيات المشاركة والتفاعل والتواصل في عالم رقمي (فضاء متخيل) وبين النزول إلى “الشارع”، العمل الوجاهي والميداني في الحقل وفي المصنع كما في المختبر وخطوط الإمداد، بين الناس ومعهم دون التعرض لمخاطر العدوى والإصابة ونقل الفيروس. إن إدارة شؤون الحياة والعمل والسياسة من خلال التواصل الالكتروني فقط، يهدد بتهميش الفئات وحرمانها من المشاركة في صنع القرارات وبالتالي الاضرار بمبادئ الانصاف والعدالة والمساءلة.

وما سبق، أي الاستجابة السريعة والتفكير المنهجي والتدخل الإبداعي، ليس لها أن تحدث تغييرا مرجوا في الأنظمة وفي العالم الذي نعيش فيه، إلا من خلال التركيز على الإنسان واستهدافه. من المتوقع أن يفاقم الفيروس التاجي الأزمة المالية عموما والمعونة الدولية وتمويل المنظمات خصوصا، ولهذا يرى البعض أنه لا بديل عن الاستثمار في المورد البشري عبر التطوع وتشجيع مبادرات التسيير الذاتي واتباع سياسة جديدة من التقشف والاعتماد على الذات وتعبئة المصادر المحلية وتنميتها.

في انتباهة جديرة يقول أمارتيا سين، رائد تقارير التنمية البشرية السنوية الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أن التعامل مع الكوارث الاجتماعية يتطلب الحكم التشاركي وتحفيز النقاش العام. يدلل سين على صحة رأيه بتجربة الهند في محاربة المجاعة؛ فإما أن تكون الحكومة سريعة الاستجابة، قابلة للمساءلة، وإلا فإن الإعلام الحر والحوار المجتمعي المفتوح يجبران الحكومة على الاستجابة تحت طائلة إثارة التوترات الاجتماعية وبالتالي تهديد استقرارها (وربما اسقاطها).

إن المطالبة المستمرة بأن تشتمل لجان الطوارئ العليا على ممثلين من كل الأطراف ذات الصلة (بما في ذلك تمثيل النساء) نابعة من هذا الفهم. ذلك أن قرارات الحكومة التي تؤخذ من قبل أشخاص وأفراد قادرين على التعاطف والتفهم الإنساني، قد تتأثر بشكل مباشر بما تطرحه الأطراف الأخرى وتقدمه من معلومات وتحليلات ناتجة عن اتجاهات الرأي العام. إن أفضل طريقة لإدارة أزمة كورونا هي باتباع نصيحة الفيلسوف والاقتصادي البريطاني، جون ستيوارت ميل “الحكم عن طريق المناقشة” بالرغم من أن أنظمة ديكتاتورية سجلت نجاحا في الحد من انتشار الوباء بينما فشلت ديموقراطيات عريقة! ذلك أن الحكومة المستجيبة والقابلة للمساءلة قادرة على بسط سلطتها بالقهر الشرعي (مثل فرض حالة الطوارئ)!

خضع نصف سكان العالم لأشكال متعددة من الإغلاق وتقييد الحركة؛ الأمر الذي شكل تحديا للمجتمعات المدنية وفي ذات الوقت أتاح فرصا حقيقية للإبداع: فقد اتيحت فرصة لاستعادة الشرعية بعد سنوات من التشكيك والملاحقة وذلك من خلال المشاركة الواسعة في التغطية والتعبئة وحشد الموارد وتوصيل الخدمات والمساهمة في جهود المكافحة بشكل فعال، بما في ذلك توفير المعلومات ومحاربة الشائعات المضللة. أخيرا، أتيحت الفرصة في مناطق مختلفة من العالم لبناء تحالفات جديدة مع كيانات تنظيمية مختلفة مثل الكناس ومجموعات الكشافة والنقابات المهنية والمنظمات الجماهيرية القائمة على العضوية وذلك ضمن جهود تأمين التعليم عن بعد، أو تأمين الطعام وتوصيله وتوزيعه، أو توجيه الارشادات وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي وغير ذلك من الأعمال والتدخلات والأنشطة.

من المجالات المميزة لمساهمات المجتمع المدني في مناطق مختلفة من العالم بالرغم من القيود عليه، نتيجة إجراءات الإغلاق والإبعاد والحجر الصحي وفرض قوانين الطوارئ: (1) ممارسة عمليات الرصد والإبلاغ عن الإجراءات على المستوى المحلي، فضلاً عن تثقيف المجتمع وتصعيد القضايا الحساسة التي تؤثر على الإنصاف والاندماج ومشاركة المواطنين. (2) تعزيز نُهج المساءلة من القاعدة إلى القمة لضمان وصول الأموال والمساعدات إلى وجهتها المقصودة (أصحاب الحق) وضمان كفاءة أداء الجهات المكلفة بالواجب ومحاسبتها. (3) رصد الاحتياجات المحلية الطارئة وتلبية بعضها ورفع البعض الآخر للجهات ذات الصلة. (4) إعادة الاعتبار لأعمال الرعاية (أعمال النظافة، التدريس، التمريض، العناية بكبار السن، تربية الأبناء،،،) وإنصاف الفئات التي تقوم بها وخصوصا النساء وتقديم الدعم والمساندة.

إن مما لاشك فيه أن الأمن الصحي أمر بالغ الأهمية، ولكن الجوانب المجتمعية الأخرى مثل التهميش والاستبعاد والصراع والأمن لا تقل أهمية أيضا. لذلك ركزت المجتمعات المدنية على بناء المرونة، مع معالجة القضايا الرئيسية المتعلقة بالهشاشة والانهيار في أنظمة ومؤسسات الحوكمة. وكما إن الاستجابة الطارئة والدعم الإنساني ضروريان، فإن الحاجة إلى رؤية بعيدة المدى تجمع بين العمل الإنساني والتنموي وبناء السلام تصبح أكثر إلحاحا ولاسيما لمواجهة تحديات عالم ما بعد كورونا والتي ربما تشمل تفاقم الصراعات واندلاع الحروب، تزايد الاستبداد السياسي والظلم الاقتصادي، وانتشار الفوضى وغير ذلك.

مقالات ذات صله