التعليم عن بعد: النشأة والتطور

التعليم عن بعد: النشأة والتطور

بقلم/ تفيدة الجرباوي

وضع إلزام الناس بالبقاء في المنازل إثر انتشار جائحة كورونا الحكومات والجامعات أمام خيارين: الأول يتمثل بإغلاق المدارس والجامعات حتى انتهاء الجائحة، من أجل الحفاظ على جودة التعليم عبر الاستمرار في تطبيق نظام التعليم المتبع بشكله المعتاد. ويأخذ هذا الخيار بعين الاعتبار ضرورة التخفيف من حالة الخوف والقلق التي يعيشها الطلبة والأهل، والتي قد تتفاقم إذا تمّ إضافة عبء التعليم على كاهلهم في البيوت. أما الخيار الثاني فيتمثل بالإبقاء على العملية التعليمية مستمرة واستكمال متطلبات العام الأكاديمي بأقل الخسائر. وفي ظل إجراءات العزل، يتطلب هذا الخيار استخدام وسائل التعليم عن بعد، بما في ذلك التعليم الإلكتروني. وفي الواقع، تُظهر مراجعة الأدبيات والمنشورات استخدام مصطلحي “التعليم عن بعد” و”التعليم الإلكتروني” بطريقة مترادفة، ما يستدعي التوضيح.

التعليم عن بعد: هو نظام تعليمي متكامل ينفصل فيه المتعلمون عن المعلمين جغرافياً. ويقوم هذا النظام على أساس إيصال المحتوى التعليمي للمتعلمين في مواقع إقاماتهم أو عملهم عبر وسائل الاتصال المتاحة كالبريد العادي والبريد الإلكتروني والإنترنت. فالتعلم هنا هو تعلم ذاتي نشط يستند إلى أساليب متعددة، وقد يستخدم تقنيات التعليم الإلكتروني، ولكنه غير مرتبط بها ولا يشترط الاعتماد عليها.

نشأ التعليم عن بعد استجابة لاحتياجات العديد من المتعلمين الكبار غير القادرين على الالتحاق ببرامج التعليم الوجاهي المنتظم، وذلك للعديد من الأسباب الاجتماعية والاقتصادية، بما فيها صعوبة السفر ومشقته، وبُعد المسافات، والتكلفة العالية، وعدم القدرة على الجمع ما بين العمل والتعلم في آن واحد. ويمكن تقسيم مراحل تطور التعليم عن بعد إلى ثلاث وفقاً لأساليب التعليم المستخدمة.

تتميز المرحلة الأولى، والتي بدأت في القرن التاسع عشر، بالفصل التام ما بين المتعلمين والمؤسسة التعليمية، وبانتقال المحتوى التعليمي التقليدي من المؤسسة التعليمية الى المتعلمين بالمراسلة، عبر البريد العادي، على شكل رزمة تتألف من دليل الدراسة والمقالات ومجموعة الوظائف والمهام. وكان المتعلمون يرسلون وظائفهم ليتم تصحيحها، ووضع الدرجات المستحقة عليها، وإعادتها من قبل هيئة التدريس. لذا استُخدم مصطلح التعليم بالمراسلة، في هذه المرحلة، كرديف للتعليم عن بعد. وكانت جامعة شيكاغو أول من أفرد إدارة مستقلة للتعليم بالمراسلة في عام 1892. وكانت النظرة للشهادات الممنوحة للخريجين عبر هذا النظام متدنية.

شهدت المرحلة الثانية استخدام التقنيات في عملية التعليم عن بعد، وذلك بإضافة أشرطة الفيديو لرزمة المحتوى التعليمي كعامل مساند. كما شهدت بداية التواصل الجزئي ما بين المتعلمين والمعلمين الذين أصبح لهم دور توجيهي مساند ومُحفزّ لتجويد عملية التعليم وتحسين مستوى تحصيل المتعلمين. ففي عام 1921 تم البدء باستخدام البرامج الإذاعية كوسيلة لنقل المحتوى التعليمي. وفي عام 1970 استُخدمت تقنيات التلفزيون وأشرطة الفيديو، تلتها الأقراص المضغوطة، كوسائط متعددة نجحت في تطوير أساليب التعليم عن بعد، والذي سارعت الجامعات البريطانية والأميركية والأوروبية لتبنّيه. وكانت المساقات المتلفزة (Telecourses) من أنجح وسائل التعليم التي استخدمتها الجامعات البريطانية في حينه.

ومع تطور أساليب التعليم تطورت أساليب التقويم، فأصبح المتعلمون يخضعون لاختبارات التغذية الراجعة، ويحضرون للمؤسسة التعليمية في نهاية الفصل الدراسي لأداء الامتحانات النهائية. في هذه المرحلة، تم استخدام مصطلح التعليم المفتوح كرديف للتعليم عن بعد. وكانت الجامعة المفتوحة في بريطانيا، والجامعة المفتوحة في أميركا، من أشهر الجامعات التي تبنّت التعليم المفتوح. أما في عالمنا العربي فكانت جامعة بيروت العربية المثال على ذلك.

منذ انطلاق هذه المرحلة الثالثة بدأ التعليم عن بعد يتميّز، بسبب التطورات التكنولوجية المتلاحقة، باستخدام وسائل التعليم الالكتروني عبر الإنترنت، وبعودة المعلمين لتبوء دور أكبر في تنظيم بيئة التعلم، وتوفير المصادر الداعمة لها، وتقديم الدعم الفردي للمتعلمين أثناء منتديات النقاش. ولعب المعلمون دوراً هاماً في إتاحة الفرص للمتعلمين للتفاعل والابداع من خلال تنمية مهارات التفكير العليا وتحفيز عمليات نقل المعارف وإنتاجها.

 وفي بداية التسعينيات من القرن الماضي، أحدثت بداية انتشار الإنترنت طفرة في سياق تطوير التعليم عن بعد. ومع التطور السريع في تحسين أجهزة الحاسوب، وتطوير شبكة الإنترنت، وزيادة سرعتها المتواكب مع انتشار الأجهزة اللوحية والذكية، واستحداث العديد من أنظمة الاتصال والبرامج التعليمية والتطبيقية، ظهرت العديد من الأكاديميات وتسابقت الجامعات المرموقة على استخدام تقنيات التعليم الإلكتروني كوسيلة ناجحة في التعليم عن بعد. ترافق ذلك مع انتشار التعليم المجاني عبر “اليوتيوب”، وعقد الاجتماعات والمؤتمرات إلكترونياً. وأصبح مصطلح التعليم الرقمي يُستخدم كرديف للتعليم الإلكتروني، وكلاهما يُستخدمان، كخطأ شائع، رديفاً لنظام التعليم عن بعد. وتُعد جامعات هارفرد وستانفورد ومعهد ماساشوستس للتكنولوجيا وكولومبيا من أشهر الجامعات التي تمنح شهادات للدورات القصيرة التي تنظمها عن بعد باستخدام التعليم الإلكتروني.

التعليم الإلكتروني: هو أسلوب داعم للعملية التعليمية التعلمية يتواصل فيه المتعلمون مع المعلمين وجهاً لوجه (التعليم الوجاهي) أو عبر الإنترنت (التعليم عن بعد). وقد لا يحدث أي تواصل بين الطرفين، كما في حالات التعلم المجاني الذاتي المحض الذي يُبحر فيه المتعلمون عبر الإنترنت باحثين بأنفسهم عن المعارف.

يعتمد التعليم الالكتروني على استخدام التقنيات والوسائط الالكترونية المتعددة في تقديمه للمحتوى التعليمي للمتعلمين بطريقة تفاعلية ومحفزة ومرنة. وتتضمن تلك التقنيات المؤثرات المقروءة والمسموعة والمرئية، كالكتب الإلكترونية والتسجيلات الصوتية والعروض التقديمية والصور الثابتة والمتحركة مثل أفلام الفيديو و”اليوتيوب”. وتوظف هذه التقنيات في تنظيم الدورات القصيرة وبعض البرامج والمساقات. ويتطلب التعليم الإلكتروني توفر معلمين مؤهلين ومدربين على استخدامه بكفاءة، كما يتطلب توفر أجهزة حاسوب وشبكة إنترنت متطورة وكهرباء متصلة باستمرار، بالإضافة إلى وجود المنصّات الإلكترونية، وتطبيقات التواصل الفاعلة، مثل “فرق مايكروسوفت” و”غوتومييتنغ” و”زووم” و”ويبكس”.

 يمكن تقسيم أنواع التعليم الإلكتروني، المستخدم كوسيلة وكأحد أساليب التعليم عن بعد، إلى ثلاثة: الأول هو التعليم الإلكتروني المتزامن الذي يتم من خلاله عرض المادة التعليمية بشكل حي ومباشر، أي بتواجد المعلمين والمتعلمين في نفس الوقت، على الشبكة وأمام أجهزة الحاسوب. أما النوع الثاني فهو التعليم الإلكتروني غير المتزامن الذي يوفر المواد التعليمية على الشبكة كل الوقت، ما يعطي المتعلمين مرونة كافية في الدخول واستخدام الشبكة في الوقت المناسب لهم، دون الحاجة لتواجدهم مع المعلمين في آن واحد. والنوع الثالث هو التعليم الالكتروني المساند الذي يقوم فيه المتعلمون بالبحث عن مصادر التعليم بأنفسهم عبر شبكة الإنترنت. هذا بالإضافة إلى نوع مختلف لهذا التعليم، وهو التعليم الوجاهي بمساندة التقنيات الالكترونية الذي يعرض المعلمون من خلاله المادة التعليمية للمتعلمين، وجهاً لوجه، باستخدام خليط من وسائل التعليم التقليدية والإكترونية.

لقد أدى إغلاق المدارس والجامعات في بلادنا نتيجة تفشّي وباء كورونا، كما هو الحال في معظم دول العالم، إلى الاستعاضة عن التعليم الوجاهي بالتعليم عن بعد، والاعتماد على أسلوب التعليم الإلكتروني المتزامن للقيام بذلك. وأدى هذا الانتقال المفاجئ والسريع، غير المخطط له مسبقاً أو المستَعدّ له سابقاً، إلى بروز الكثير من التحديات التي ما زالت تواجهها إدارات المؤسسات التعليمية وأعضاء الهيئات التدريسية والطلبة وأهاليهم سواءً بسواء. فالاستعدادات لمثل هذا النوع من التعليم لم تكن جاهزة، وهي ليست الآن كاملة، بل تعاني من العديد من الإشكاليات.

ولكن رغم ذلك فإن الجميع يتقبّل هذه التجربة، رغم ما يعتريها من نواقص، كونها تُقدّم أفضل خيار متاح. ومن المؤكد أن نقاشاً مستفيضاً سيعتري هذه التجربة، ويتساءل عن جدوى هذا النوع من التعليم، خلال فترة المرور بها، وبالتأكيد بعد اجتياز المحنة والعودة إلى مقاعد الدراسة. ولذلك لن يكون مفاجئاً حدوث تغيّرات على التوجهات والسياسات التعليمية في عصر ما بعد “كورونا”.

مقالات ذات صله