نحو تخيلية سياسية جديدة: ركائز ومنطلقات

نحو تخيلية سياسية جديدة: ركائز ومنطلقات

بقلم/ م.تيسير محيسن

إذا كان الواقع بهذا السوء، ومن غير المرجح أن يحظى الفلسطينيون فيه بأدنى مطالبهم وحقوقهم (تقرير المصير، حق العودة، ..)، فمن الضروري والحال كذلك إعادة تصويب العلاقة بين الواقع والخيال، على نحو جدلي، بقطع الطريق على غلبة فقه هذا الواقع على السلوك السياسي وما ينجم عنه من تجريبية مفرطة وتنازلات مجانية ورهاب “البديل”. وايضا بإعادة بلورة رؤية، تخيلية ليست حلما طوباويا يمعن في القطع مع الواقع والممكن والمعاش، وليست إستراتيجية عجولة أو كسولة تعجز عن فهم الواقع وتجحف بالحلم. يمكن أن يواصل الفلسطيني تعامله مع الواقع بواقعية، مع الأحداث والمتغيرات بعقلانية، بحذر وانتباه، يقلل الخسائر، يربك خصومه، ينزع الذرائع، يعزز الاستقواء التراكمي، يتحمل الأكلاف ولكن دون أن ينزع من عقله حقيقة أن هناك ما هو أفضل من ذلك، هناك ما يستحقه وما هو جدير به، وأنه ليس هو فحسب من يتحمل الأكلاف، فمصير الإقليم ومصير إسرائيل ذاتها معلق به حتى وإن بدا ضعيفا أو أضعفه الواقع وما يشتمل عليه من موازين للقوى الراجحة. على الفلسطيني أن يصدق أن ما يحدث هو ليس نهاية الكون، ليس قدرا حتميا. وعليه أن يعيد التأمل فيما يلي:

فلسطين ليست الضفة الغربية وقطاع غزة فحسب، والشعب الفلسطيني أكبر من تجمعاته داخل الوطن وخارجه، وإعادة الهيكلة الجغرافية السياسية والديموغرافية في المنطقة تستوجب تعريف نفسه بطريقة مغايرة، ككل واحد وجماعة سياسية واحدة.

الحرية أكبر من الدولة، والحقوق أقوى من الحقائق، الخروج من وهم السلطة والتسوية والمزايا الاقتصادية باتجاه تعميق المأزق التاريخي والبنيوي لدولة الاحتلال. فإما دولة عنصرية خارجة عن القانون وتعاند العصر، وإما دولة يعاد تشكيلها على أي نحو، تلفظ العنصرية والكراهية والاستعباد والاقصاء.

لا دولة في غزة، ولا دولة بدون غزة. وأيضا، لا حل على حساب اللاجئين، أو على حساب فلسطيني 48، لا حل إقليميا ولا إقليم يفرض حلا. نحن في حاجة للعرب، جميعهم، لكنهم أيضا هم في حاجتنا، ولنا في ذمتهم ليس فقط أموالا يدفعونا وإنما أيضا وقفا لاستخدام آلامنا ومصيرنا ورقة يساومون بها وعليها، وأيضا عدم تمكين الأعداء من تذويب الشتات ونفيه، ليس عبر الحصار في الغيتوات وإنما بإطلاق الابداعات بما لا يعرض كيان أي من دولهم للخطر وعدم الاستقرار.

التخيلية المقترحة لا تقطع الطريق على الفعل السياسي المباشر، الاشتغال على ما هو قائم ومطروح، بلورة أطر عملية لحل بعض القضايا ذات الأولوية، وهي شأنها شأن مفهوم “الاستدامة” في عالم التنمية والبيئة، أي الامتناع عن أي فعل أو سلوك يجحف بالمستقبل وحقوق الأجيال، يقوض فرص النمو والازدهار. والاستدامة تنطوي على ما يسمى بالممارسات الفضلى، الجيدة، وهذا ما يجب أن يقوم به الفلسطينيون؛ إذ لا أحد يمنعهم من ذلك. فلماذا يستمر الانقسام؟ لماذا تستمر الممارسات التي تقوض الصمود وتضعف المنعة؟ لما تستنزف الموارد والطاقات في غير محلها؟ لماذا الهرولة أو إطلاق الشعارات الطنانة والجوفاء؟

هذه التخيلية لا تقوم على تبني شعارات أو تحديد أهداف معينة، وإنما هي صيرورة من التوق الإنساني للحرية والكرامة، عملية كفاحية محكومة بالعقلانية والإيمان بأن بالإمكان أفضل مما كان، عملية تقتضي الصبر والمثابرة والقدرة على التحمل والموازنة بين الأكلاف والعوائد. تشتمل التخيلية على تعدديات ولكن دون تعارض مفتعل، وعلى مراحل ولكن دون استعجال، وعلى اجابات ولكن دون حتميات، على اقتراحات ولكن دون جداول زمنية أو أطر تنفيذية. التخيلية ذات طابع ثوري وتقدمي بالضرورة. والآن، لماذا يمكن اعتبار حل الدولة الواحدة لمعضلة الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي جوهر وركيزة هذه التخيلية؟

أولا: لأن فكرة الدولة الواحدة داعبت خيال الكثيرين (اليهود قبل قيام دولتهم، الفلسطينيون بعد نكبتهم). الدولة الواحدة ليست شعارا أو برنامج عمل زمني. هي صيرورة تاريخية لصراع من الوزن الثقيل. في صلب السياسة الإسرائيلية يكمن الخوف الشديد من مجرد التفكير في مثل الدولة. وحين تقوض إسرائيل حل الدولتين هي تقطع الطريق أيضا على حل الدولة الواحدة. وفي صلب الرؤية الفلسطينية يجب أن تقبع فكرة الدولة الواحدة. الدولة الواحدة ليست خطرا وجوديا على إسرائيل إلا من حيث طبيعتها الكولونيالية، نظامها العنصري. من المتوقع أن تواصل إسرائيل بكل أطيافها السياسية والأيديولوجية العمل على إجهاض أي فرصة للدولة الواحدة (تذويب الشتات، تعميق الشرذمة الذاتية بالفصل وتكريس المنظومة العنصرية وممارساتها، كي الوعي، خلق الوقائع على الأرض،..). وعلى الفلسطيني أن يسعى إلى تعزيز فرص هذا الحل؛ بالبقاء والصمود على الأرض، تقويض منطق الفصل والانقسام الذاتي، تبني فكرة التعايش والترويج لها،..)

ثانيا: هذه الفكرة تلهم بابتداع وتطوير ملموس في الرؤية والتوجه وآليات التحرك، بعيدا عن حالة الانسداد التي أفضت إليها مسيرة عبثية في إطار فكرة حل الدولتين والنزوع الدولاني لدى الفلسطينيين قبل اكتمال شروطه. وأيضا بعيدا عن مجرد التمسك بالمبادئ والثوابت (من شأن الفكرة أن تحفز حراكات اجتماعية وسياسية في أوساط الفلسطينيين في كل مكان وخصوصا في بلدان اللجوء والشتات). هذه الفكرة ترد على رغبة اليمين الإسرائيلي وأجهزته الأمنية في الانفصال عن الفلسطينيين والفصل بينهم ومن ثم الاستحواذ على كل شيء واستمرار التحكم والسيطرة عليهم.

ثالثا: بات اليمين الإسرائيلي يعلن دون مواربة سعيه نحو دولة واحدة بالمفهوم الكولونيالي، إسرائيل الكاملة، يهودية الطابع والغلبة والسيادة. يشتمل هذا الطرح على ضم الضفة الغربية بالكامل وفرض القانون الإسرائيلي عليها، استبعاد قطاع غزة عبر تكريس انفصاله، تمتع الفلسطينيين بحقوق مدنية فقط وليس حقوقا قومية، منع عودة اللاجئين والسماح بمجئ اليهود، المحافظة على نسبة ثابتة بين اليهود العرب (ابقاء العرب أقلية متحكما فيها). وفي زعمي أن الرد على هذه الأطروحة لا يكون بالمطالبة بحل الدولتين على طريقة ما يسمى باليسار الصهيوني، بل بالتشديد على مطلب الدولة الواحدة ما بعد كولونيالية، وما بعد صهيونية. من شأن هذه الدولة أن تلبي طموحات الفلسطينيين كما من شأنها الاستجابة لمخاوف الإسرائيليين. هناك من يعزز الحاجة لمثل هذا الحل باعتبار استعصاء حل الدولتين وقصوره عن تلبية حاجات طرفي الصراع، وكما قال بابيه: من مصلحة إسرائيل أن تتحوّل بإرادتها إلى دولة متساوية خشية من الثأر والنهايات غير السعيدة، والدولة التي تقوم على اساس القوة الساحقة واضطهاد شعب آخر لا تملك مستقبلا، طبقا لإدوارد سعيد.

رابعا: في حل الدولتين طرحت صيغ متعددة لتطبيق حق العودة؛ لم شمل محدود لبعض العائلات، عودة مقننة إلى الدولة الفلسطينية، ودائما محاولات توطين اللاجئين في دول اللجوء. في الواقع، يعتبر حل قضية اللاجئين الفلسطينيين ممكنا مبدئيا فقط في حل الدولة الواحدة ما بعد الكولونيالية أو حتى في طور دولة تشهد صراعا بين قوميتين سرعان ما سوف يحسم أمره. حل الدولة يقوض المقاربة المعتمدة من إسرائيل وراعيتها أمريكا حيال حقوق اللاجئين والقائمة على النموذج الليبرالي المحدود، الذي يضفي على الفرد تصورا أساسه المنفعة المادية والفردية. إسرائيل الصهيونية والعنصرية رفضت التعامل مع الموضوع السياسي للاجئين بطريقة جماعية بموجب المادة المختصة بحق العودة في قرارات الأمم المتحدة المعنية بهذا الشأن. وبالمناسبة إسرائيل تستند في تشريعاتها الخاصة بحقوق العودة، أي قانون العودة، إلى أساس جماعي استثنائي تجاه المهاجرين اليهود، وآخر فردي-ليبرالي وانتقائي تجاه العرب. قرار 194 وحده، يعرّف حقوق اللاجئين الفلسطينيين بصورة جماعية، ويطالب بحقهم في العودة كمجموعة قومية. في سياق وهم التسوية منذ مدريد، أضعف الفلسطينيون حجتهم بالمطالبة بتطبيق حق العودة من خلال قبولهم بصيغة تستثني الأمم المتحدة، التي لم تعد قراراتها هي التي توفّر الهيكلية والمظلة. مسار التسوية الحالي والمقترح لن يعترف بالتأكيد بالحقوق الجماعية الفلسطينية. العالم لا يملك أن يتجاهل محنة اللاجئين الفلسطينيين واحتياجاتهم وحقوقهم حتى في ظل العاصفة الإقليمية، “إنها مسألة حقوق وكرامة وإنسانية. وهي أيضاً مسألة أمن، للاجئين أنفسهم وللمنطقة ككل” يقول المفوض العام للأنوروا. إذن مصلحة المنطقة كلها يقتضي حلا جذريا لقضية اللاجئين، الذي لا يمكن أن يتحقق فعليا إلا في دولة واحدة ما بعد كولونيالية.

خامسا: حل الدولة الواحدة هو الذي يعيد الأمور إلى نصابها أو نحو ذلك. إسرائيل تسعى جاهدة للتنكر لمسؤولياتها تجاه مشكلة اللاجئين، وعبر كل الحلول المطروحة سابقا، بدا وكأن أن الطرف التي تقع عليه هذه المسؤولية غير معروف، لذلك جرت محاولات عديدة لتحميل الأطراف الدولية والإقليمية مسؤولية حلها. حل الدولة الواحدة ينسف هذا الزعم. حل الدولة الواحدة يقوض أحلام إسرائيل في التخلص من معضلة غزة (النسبة الكبيرة من سكانه لاجئون) إما بتحويله إلى إمارة منفصلة أو بدفعه نحو الجنوب. جاء في محاضر جلسات الحكومة الإسرائيلية المفرج عنها بعد خمسين سنة أن بن غوريون قال في إحدى هذه الجلسات (22 تموز 1956): “بالنسبة للاجئين شرحت له أن هذه هي أكبر جريمة للدول العربية…..إنهم يمسكون باللاجئين ويعلمونهم بأنهم سيأتون لهدم دولة اسرائيل”. وفي شأن غزة قال (9 كانون أول 1956): “أنا لا اتوق لغزة مع 300 الف عربي”. وفي اليوم الثالث لحرب حزيران 1967 قال مناحيم بيغن في جلسة الحكومة: كل حديث عن دولة فلسطينية سينزل بنا كارثة”

سادسا: حل الدولة الواحدة من شأنه إذن أن يحل مفارقة تاريخية؛ رفض الاندماج وصعوبة الانفصال. وعلى ذلك، يوفر هذا الطرح ضمن التخيلية السياسية أداة نضالية حضارية وعملية، تقطع الطريق على حلول بديلة، ومن ناحية ثانية تمهد الطريق إلى تأمين هذه الحقوق وممارستها فعلاً. تفترض التخيلية امتلاك القدرة على استقطاب الانتباه والاهتمام الإقليمي والدولي، دون الحاجة للجوء إلى العنف، مع فضح العنصرية المستترة (عبر إبراز مأزق إسرائيل التاريخي بين ديموقراطيتها ويهوديتها)، ودفعها لإدخال تعديلات جوهرية على نظامها السياسي لتصبح دولة لمواطنيها أو دولة لقومياتها. وفي جميع الأحوال على الفلسطيني ألا يربك نفسه ومعه العالم بالخلط بين الأمرين: التمسك بالحقوق، التعاطي مع الحقائق! وعليه أن يدع إسرائيل تواجه العالم ولا يقف بينها وبينه إلا بمقدار ما يسهم في فضحها وفضح طبيعتها.

على الإسرائيليين أن يكفوا عن الإدعاء بأن عودة اللاجئين تشكل تحديا لقدرة اليهود على العيش داخل إسرائيل. الأحرى أن العودة تقوض محاولات إيجاد أغلبية يهودية مسيطرة بالقوة. وعلى الفلسطينيين أن يسلموا في نهاية المطاف، وفي إطار الدولة الواحدة، بالتعامل مع اليهود بوصفهم شعبا وليس مجرد مشروع استيطاني وخصوصا بعد انتفاء الطابع العنصري والأسرلة الإكراهية. مواجهة الطابع اليهودي والعنصري لإسرائيل هو في نهاية المطاف لمصلحة اليهود في فلسطين.

بالطبع، نحن إزاء حل بعيد المدى، في سياق متحرك ومعقد، ولذلك أطلقنا عليه “تخيلية سياسية” تصلح لأن تشكل دافعا للجميع للتحرك صوب مستقبل أفضل، أقل عنفا. ومما يجعل الأمر مقبولا من الناحية النظرية، ليس فقط انسداد أفق حل الدولتين، بل لأننا فعلا إزاء دولة واحدة واقعيا، ومشكلتها في طبيعتها الاستعمارية والعنصرية. علاوة على ذلك، فتعقيدات الواقع وتشابكاته تقول أن خيار الانفصال هو الأصعب وليس العكس. حل الدولة الواحدة هو الذي يضمن عدم إزاحة السردية الوطنية التي تأسست على النكبة، وبالتالي عدم إزاحة قضية اللاجئين والتخلي عن حقوقهم. (حل الدولتين يعتبر مقايضة حق العودة بحق تقرير المصير، حل الدولة يجمع بينهما دون تعارض)

مقالات ذات صله