بيان مساواة حول القرار بقانون بشأن تشكيل مجلس قضاء أعلى انتقالي

بيان مساواة حول القرار بقانون بشأن تشكيل مجلس قضاء أعلى انتقالي

مخاطر جديّة قد تحوّل إصلاح القضاء إلى مذبحة

بعد أن وقفنا بإمعان على القرارين بقانون أرقام 16 و17 لسنة 2019 الصادرين عن السيد الرئيس وفقاً لما ورد فيهما بتاريخ 15/7/2019 والمنشورين في عدد الوقائع الفلسطينية الصادر فقاً لما ورد فيهما بتاريخ 16/7/2019 والخاصين بتعديل قانون السلطة القضائية، وتشكيل مجلس قضاء أعلى انتقالي، نبدي رأينا فيهما على النحو التالي:

  1. نُشير إلى أن “مساواة” هي أول جهة رسمية وأهلية طالبت بتخفيض سن ولاية القضاء إلى 60 عاما،ً وذلك بمذكرة خطية سُلمت إلى كافة أركان العدالة الرسمية والأهلية، ونُشرت للمواطنين/ات كافة بتاريخ 17/9/2017، بوصف ذلك يُمثل إجراءً ضرورياً لوقف النزيف في منظومة العدالة، على اعتبار أن أزمة منظومة العدالة برمتها بما فيها المحكمة الدستورية- والتي لم يُشر إليها في القرارين المذكورين- أزمة أداء وبُنية، وذلك بشرط أن يأتي هذا التخفيض في سياق عملية إصلاح حقيقية، تتلافى تفرد السلطة التنفيذية، وتحول دون هيمنتها على السلطة القضائية، وتُسند أداتها إلى لجنة أو جسم يتم اختيار أعضائها وفق معيار شخصي يتمثل في  ثقة واحترام المواطنين/ات، من خلال مؤتمر أو لقاء مجتمعي يشارك فيه على قدم المساواة كل الأطراف والجهات المجتمعية ذات الاختصاص أو ذات الصلة بمتطلبات بناء منظومة عدالة نزيهة وحيادية وشفافة ومستقلة، بما يضمن مشاركة الكل المجتمعي ويُجسد مبدأ التعددية الفكرية وليس التعددية العددية، على أن يصدر قراراً باعتمادها من قبل الرئيس بحيث يكون قراره كاشفاً وليس مُنشئاً، وللّجنة أو الجسم المذكور أن يستعين بمن يراه من خبراء في القانون والإدارة وغيرها من الأمور ذات الصلة بمعايير التقييم المهني العلمي الشامل لكل من يُشغل وظيفة في منظومة العدالة من اعلى الهرم الى اسفله وبخاصة المحكمة الدستورية والقضاء النظامي والقضاء الشرعي والنيابة العامة، وفقاُ لإجراءات ومدد زمنية حُددت في مذكرتنا التي تضمنت مبادرتنا للإصلاح والتي سُلمت إلى كافة أركان منظومة العدالة الرسمية ونُشرت لاطلاع كافة المواطنين/ات عليها بتاريخ 30/1/2018.
  2. نُعرب عن أسفنا لعدم الاستجابة لمبادرتنا، على الرغم من اعتماد مقترحنا الخاص بتخفيض سن ولاية القضاء، حيث جاء في إطار ونهج مغاير وخطير للغاية.
  3. بالرجوع إلى القرار بقانون رقم 17 لسنة 2019 فإننا نرى أن المادة الثالثة منه تُكرس تفرّد السلطة التنفيذية في اختيار رئيس وأعضاء مجلس القضاء الأعلى الانتقالي والذي تم في الظلام، ودون مشاركة مجتمعية حقيقية وجادة وبعيداً عن أي لقاء أو حوار او اعتماد لمعيار مهني متفق عليه.
  4. نرى بأن الفقرة الثالثة من المادة الثانية منه تفتقد إلى معايير مهنية أو علمية، وتُطلق العنان لإعمال المعيار الشخصي ويعوزها الآلية ما قد يفتح الباب واسعاً أمام وقوع مذبحة للقضاء بدلاً من إصلاحه، إذ ورد فيها حرفياً التنسيب لرئيس الدولة بعزل أي قاضي إذا وجد مجلس القضاء الأعلى الانتقالي بأن استمرار إشغاله للوظيفة القضائية ما يمس بهيبة القضاء… إلخ.
  5. منح القرار بقانون المذكور المجلس الانتقالي منفرداً ووفقاً لمعايير شخصية وذاتية صلاحيات تشريعية تطال رزمة القوانين القضائية، إذ نصت الفقرة الرابعة من المادة الثانية منه على منح المجلس صلاحية إعداد مشاريع معدلة لقانون السلطة القضائية وقانون تشكيل المحاكم النظامية وأي قوانين أخرى من رزمة القوانين القضائية.
  6. تضمنت الفقرة الأولى من المادة الرابعة منه أن مدة ولاية مجلس القضاء الأعلى الانتقالي سنة قابلة للتمديد لستة أشهر أخرى، وهذه مدة طويلة للغاية تُشكل فرصة لتكريس مظاهر التبعية والولاء والخوف وتحويل الوظيفة القضائية إلى وظيفة خدمية، ما يهدد جذر وبنيان مفهوم استقلال القاضي في حكمه، وفي هذا مقتل حقيقي للسلطة القضائية كمؤسسة وكقضاة.
  7. تُكرس فلسفة القرار بقانون 17 لسنة 2019 خضوع السلطة القضائية للسلطة التنفيذية بالكامل والعبث بقاعدة عدم قابلية القضاة للعزل إلا في حالات ضيّقة ومحدّدة.
  8. لقد تم تغييب مبدأ تقييم الأداء المهني في كافة نصوص القرار بقانون المذكور الأمر الذي من شأنه تهديد الأمن الوظيفي والشخصي لمن يُشغل وظيفة في القضاء، ويفتح الباب على مصراعيه للسلطة التنفيذية للتدخل في أدائه، ما قد يندرج تحت مظلة تكريس النظام الشمولي.

إننا في المركز الفلسطيني لاستقلال المحاماة والقضاء “مساواة”، نؤكد على أن أزمة القضاء النظامي بوصفها أزمة بنيوية، هي جزء من أزمة منظومة العدالة الرسمية بكاملها- بما فيها المحكمة الدستورية- والتي بدورها جزءاً من أزمة النظام السياسي برمّته، والتي تعمقت وازدادت خطورتها في ظل تغييب حق المواطنين/ات في اختيار ممثليهم/ ممثلاتهم في السلطات العامة ومواصلة نهج عدم إجراء انتخابات عامة، الأمر الذي حال دون تجديد وتحديث النظام والمحاسبة والمساءلة عن الأداء والأزمة، فإننا نُعيد التأكيد مجدداً على أن تخفيض سن ولاية القضاء ليس كافياً وأن سياق “الإصلاح” الوارد في القرار بقانون رقم 17 لسنة 2019 ينطوي على خطورة بالغة يُخشى أن يتحول بموجبها الإصلاح إلى مذبحة تُكرس الهيمنة، وعليه فإننا نطالب بإلغاء القرار بقانون رقم 17 لسنة 2019 والدعوة إلى لقاء مجتمعي تعدّدي لاختيار لجنة أو هيئة أو جسم أو مجلس انتقالي يعتمد أسلوب التقييم المهني للأداء وفقاً لما ورد في مبادرتنا المشار إليها أعلاه خاصة وأن هذا القرار بقانون ما هو إلا تكرارٌ وإعادة لمبادرات حكومية سبق للسلطة التنفيذية واعتمدتها عدة مرات منذ العام 2005 وحتى اليوم دون أن تحقق أية نتيجة ودون أن تؤدي إلى إصلاحٍ يصون مبدأ الفصل بين السلطات ويحترم استقلال القضاء ويعتبره سلطةً من السلطات الثلاث.

مقالات ذات صله