العمل الصحي يصدر ورقة موقف “التحويلات الطبية للعلاج في الخارج”

العمل الصحي يصدر ورقة موقف “التحويلات الطبية للعلاج في الخارج”
تابع مركز بيسان للبحوث والإنماء ومؤسسة لجان العمل الصحي القرار الصادر عن وزارة الصحة في آذار 2019 والقاضي بوقف التحويلات للعلاج في الخارج للمستشفيات الإسرائيلية، وقد غطت وسائل الإعلام المختلفة القرار والأسباب التي دعت اليه، وخلص مركز بيسان ومؤسسة اللجان إلى الآتي:
أولاً: خلفية القرار
في أواخر آذار 2019 أصدرت وزارة الصحة الفلسطينية قرارا بوقف التحويلات الطبية الى المستشفيات في دولة الاحتلال، تحت دعوى سطو حكومة الاحتلال على أموال المقاصة الفلسطينية والتي هي حق فلسطيني، رغم كونه ناتجا عن بروتوكول اقتصادي مجحف ومعمق لتبعية الاقتصاد الفلسطيني لاقتصاد دولة الاحتلال، تطرح هذه الورقة تحليلاً وتقدم موقفاً مبني على قراءة قرار وزارة الصحة للاستغناء عن خدمات مستشفيات الاحتلال الذي جاء كرد فعال وليس وفق سيناريوهات بديلة تتراوح بين شراء الخدمة من القطاعين الأهلي والخاص المحليين او شرائها من دول عربية او أجنبية، او تطوير البنية الصحية الأساسية التي يملكها القطاع الحكومي.
في هذه الورقة سنركز على معالجة سياسة التحويلات الطبية التي تتبعها وزارة الصحة منذ تأسيس السلطة الفلسطينية وتسلم الوزارة صلاحيات السلطة الى اليوم، أي انه مر ربع قرن على هذه السياسة والتي من المفترض ان تكون مؤقتة واستثنائية حتى يتم تأهيل البنية الصحية الأساسية من مرافق مختلفة يملكها القطاع الحكومي بما يجعلها قادرة على تلبية معظم ولا نقول كل الاحتياجات الصحية المحلية، بحيث لا تبقى التحويلات سياسة عامة ثابتة بل استثناء ناتج عن طبيعة الحالة المرضية وغير مربوطة بمكانة الشخص الطالب للتحويل.
 
 
ثانياً: لماذا نشأت عملية التحويلات الطبية؟
ربما يدرك كثيرون ان عددا كبيرا من المواطنين الفلسطينيين كانوا يحولون الى مستشفيات دولة الاحتلال قبل قيام السلطة، وان هذا كان ربحا صافيا لدولة الاحتلال من جهة وتغطية على الترهل والاهتلاك الذي أصاب البنية الصحية الأساسية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مما اضطر سلطة الاحتلال في تلك الفترة ان تصدر عام 1976 نظاما للتأمين الصحي في قطاع غزة وألحقته بعد عامين بنظام آخر في الضفة وقد شكلا مرجعية لنظام التأمين الصحي المعمول به الآن في وزارة الصحة الفلسطينية حسب قرار مجلس الوزراء رقم 13 لعام 2004[1].
هذا يعني ان وزارة الصحة ورثت بنية أساسية ومرافق مترهلة وغير قادرة على تلبية الاحتياجات الصحية المحلية في لحظة نشطت بعض القطاعات الأهلية والمستثمرين في إقامة مستشفيات ومراكز صحية مضافة الى مرافق كانت قائمة أصلا  (جمعيات أصدقاء المريض في مختلف المحافظات) يضاف اليها مستشفيات أهلية كانت قائمة أصلا عدا عن استغلال القطاع الخاص لهذا النقص والاستثمار أما في خدمات الرعاية الأولية او في الثانوية (مراكز الأشعة، المختبرات…الخ). فيما لم تكن وتيرة إصلاح القطاع الصحي والنظام بأكمله عالية او متناسبة مع الاحتياجات القائمة أصلا او المتزايدة فيما بعد، وشكل الاستثمار الحكومي في قطاع الصحة نسبة ضئيلة من الاستثمارات الحكومية واعتمد على تبرعات وهبات او مشاريع ممولة خارجيا في ضوء أولويات راهنة أكثر منه في ضوء خطة استراتيجية لتطوير النظام الصحي بشكل شامل.
ما تقدم دفع وزارة الصحة الى شراء الخدمات التي لا توفرها مرافقها المختلفة من القطاع الأهلي او الخاص المحليين او من مؤسسات طبية عربية وأجنبية ضمن نظام وضعته الوزارة هو نظام التحويلات الطبية  والذي أسست له دائرة خاصة عرفت ب “دائرة شراء الخدمة” التي تعرف نفسها بأنها جاءت: لتعويض النقص الموجود لدى المؤسسات الصحية الحكومية سواء كان  هذا النقص في التخصصات والخبرات الطبية والأجهزة والمعدات أو المرافق الطبية وقدرتها على استيعاب أعداد المرضى ، حيث يتم تعويض هذا النقص بشراء الخدمات الطبية من جهات طبية محلية من خارج وزارة الصحة سواء كانت مؤسسات قطاع خاص او مؤسسات أهلية او مؤسسات خيرية ، هذا بالإضافة الى إمكانية شراء الخدمات الطبية من دول أخرى في حال عدم توفرها في المؤسسات الصحية المحلية”[2] .
وحددت الوزارة ضمن سياستها معايير التحويل الى مؤسسات أخرى هي:
أ‌.  عدم توفر الخدمة المطلوبة في المؤسسات الصحية الحكومية.
ب‌.  عدم توفر المعدات والأجهزة الطبية اللازمة للعلاج.
ت‌.  عدم وجود أسرة بسبب نسبة الإشغال الكاملة.
ث‌.  وجود قائمة انتظار طويلة تزيد عن 6 أشهر.
ج‌.  الالتزام بدفع ما يترتب على المريض من نسبة مساهمة من التكلفة الإجمالية للعلاج كما ينص عليها قانون التأمين الصحي
ح‌.  الحصول على موافقة لجان التحويل الطبية على التوصية المتقدمة من قبل المستشفيات الحكومية.
خ‌.  وجوب توفير تأمين صحي ساري المفعول لدى المريض قبل اتخاذ قرار التحويل.
 وتبين المعايير ان هناك ارتباطا بين التحويلات ونظام التأمين الصحي، فالتحويلات ليست مجانية، بل هناك جزء من التكلفة يدفعه المريض ويقرره نظام التأمين الصحي الأمر الذي يجعل من الاشتراك في التأمين الصحي الحكومي (على علاته) حاجة للمرضى المحتاجين الى شراء خدمة خارج المرافق الحكومية.
ثالثاً: بنية النظام الصحي في فلسطين:
  1. الكادر البشري
يشير تقرير وزارة الصحة الصادر عام 2018 ان عدد العاملين في وزارة الصحة في عام 2017 بلغ 13737 عاملا، بينهم 2509 أطباء، و4205 ممرضين ومساعدين، وحوالي 1607 صيادلة ومساعدي صيادلة، و5416 إداري، بمعنى ان نسبة الإداريين تبلغ حوالي ثلث العاملين في الوزارة، ولا يشير التقرير الى توزيع الإداريين حسب مراكز العمل، وذلك يخفي نسبة العاملين في مركز الوزارة على حساب العاملين في المرافق الصحية  ومن بين الأطباء يوجد 59% أطباء عامون والباقي مختصون.
 
  1. المرافق الصحية
يوجد في الأراضي الفلسطينية حوالي 743 مركزا طبيا بينها 81 مستشفى بسعة 6213 سريرا، وتتوزع المستشفيات حسب الملكية والإدارة الى 27 مستشفى حكومي بسعة 3384 سريراو34 مستشفى أهلي بسعة 2286 سريرا  و16 مستشفى خاصا بسعة 334 سريرا فيما يوجد مستشفى واحد لوكالة الغوث بسعة 63 سريرا، و3 مستشفيات عسكرية في قطاع غزة بسعة 163 سريرا[3].
يلاحظ هنا أن عدد المستشفيات الأهلية يفوق عدد مستشفيات الحكومة كما يفوق عدد المستشفيات الخاصة، هذا ناتج عن عدم مبادرة الحكومة إلا في السنوات الأخيرة نحو بناء مستشفيات تابعة لها فيما تعتبر المستشفيات الأهلية ذات تراث عريق يعود اغلبها الى فترات ما قبل الاحتلال، وقد أنشئت بمبادرات من جمعية إما إسلامية (المقاصد) او كنسية ( الإنجيلي في نابلس، وسانت جوزيف في القدس… مثلا)، اما المستشفيات الحكومية فلم يبنى في عهد السلطة إلا عدد قليل منها وبتبرعات خارجية مخصصة لهذا الغرض.
لا يزال القطاع الخاص مترددا في الاستثمار الكبير في القطاع الصحي، سواء إنشاء مستشفيات جديدة او مراكز طبية تخصصية حقيقية، وهو يركز على الاستثمار في مرافق تكميلية كالمختبرات المتقدمة والأشعة وغيرها، وهذا يعني ان عدم ميل القطاع الخاص للاستثمار الطبي الواسع يشكل فرصة لتحجيم الخصخصة في القطاع الصحي، وإعادة صياغة النظام الصحي بما يحقق الشمول والعدالة.
وتشير الأرقام أنه لا يزال هناك قصور في الاستثمار الحكومي في البنى الصحية التحتية، سواء كان ذلك على صعيد الكادر البشري المؤهل، ام على صعيد المرافق والتجهيزات، الأمر الذي يحتاج الى مراجعة في سياسات الوزارة.
رابعاً: تكلفة شراء الخدمة الطبية من الخارج
وفق تقرير صادر عن وزارة الصحة عام 2018، بلغ عدد المتقدمين لشراء خدمة من خارج وزارة الصحة عام 2017 ، 94939 مريضا منهم حوالي 20 الف من القطاع واكثر من 74 الف من الضفة، وكانت الكلفة الإجمالية لهذه التحويلات حوالي 431 مليون شيكل، وهو ما نسبته 25% من موازنة وزارة الصحة.
بلغ عدد المرضى المحولين الى مستشفيات أهلية او خاصة في الضفة والقطاع او ال قدس77337 مريضا بكلفة قدرها حوالي 289 مليون شيكل، فيما بلغ عدد المرضى المحولين خارج الضفة والقطاع والقدس 17602 مريضا بكلفة تقدر بحوالي 142 مليون شيكل، وبلغ معدل شراء الخدمة لكل مريض في مرافق الأراضي الفلسطينية حوالي 3700 شيكلا، فيما خارجها كان حوالي 8000 شيكلا. ويشير التقرير الى ان حجم المديونية على الوزارة بلغ لنفس العام حوالي 956 مليون شيكل فيما تبلغ موازنة الوزارة حوالي 1,7 مليار شيكل، بمعنى ان الديون المتراكمة على الوزارة تبلغ نسبتها أكثر من نصف موازنة الوزارة.
أما بالنسبة للتحويلات لمستشفيات داخل دولة الاحتلال، فقد بلغ عدد المحول ين16269 مريضا وتبلغ نسبتهم 17% من نسبة المحولين داخليا وخارجيا فيما هي النسبة الأكبر من المحولين خارجيا -حيث ان عدد المحولين خارجيا دون مستشفيات دولة الاحتلال (أي الى الأردن ومصر مثلا) لا يتعدى 1400 مريضا تقريبا. وتبلغ تكلفة التحويل للمستشفيات الإسرائيلية حوالي 139 مليون شيكل بمعدل 8500 شيكل لكل مريض وهو معدل اعلى من كل معدلات التحويل الى خارج الأراضي الفلسطينية.
أما أكثر الأمراض التي يعاني منها المحولون فهي الأورام (27.9%)، يليها أمراض الدم (10,8%) ثم القلب (8%)، ثم الكلى والمسالك البولية (6%)، ثم العيون (5.1%).[4]
فاذا استنزفت التحويلات الطبية 25% من موازنة الوزارة واستنزفت الرواتب 51% منها، فان المستهلكات الطبية تستنزف 18%، فيما الباقي مخصص كنفقات رأسمالية.
أما واردات الوزارة فان 33% منها من رسوم التأمين الصحي، و23,3% من عائدات المستشفيات، فيما تسهم المراكز الصحية الأخرى ب 1.9%[5]، بمعنى ان الوزارة تحصل58.2% من موازنتها  من التحصيل المباشر من المواطنين، وهي نسبة تشير الى انه مع تعديلات على النظام الصحي عبر تطوير نظام التأمين الصحي وتطوير البنية الأساسية، يمكن للقطاع الصحي ان يكتفي ذاتيا، وان يغطي 41.8% من موازنة الوزارة التي تقدمها الحكومة.
ان اقتصار النفقات الرأسمالية على نسبة 6% من موازنة وزارة الصحة يجعل من عملية التطوير والاستثمار في الصحة الحكومية امر شبه مستحيل ويظل رهينة المشاريع الممولة والتي لا تكفي لإعادة هيكلة النظام الصحي وتطويره بما يجعله ملبيا للحق في الصحة وفق كل الاتفاقات الدولية والإقليمية التي وقعت عليها السلطة الوطنية، او وفق قانون الصحة العامة لعام 2004.
خامساً: التوصيات:
مما تقدم نستنتج ان هناك خللا مزمنا في النظام الصحي الفلسطيني ناشئ عن طبيعة تشكله قبل الاحتلال وفي ظله، وضعفا في أداء السلطة وسياساتها الصحية التي لم تقم باي عملية تغيير جذري في النظام الصحي القائم، مما جعل نظام التحويلات الطبية يستهلك ثلث موازنة وزارة الصحة، ولقد ولدت عملية التحويلات الطبية مراكز ومكانات مستفيدة من إدارة التحويلات أدت الى وجود شبهات في الفساد القائم على المحسوبية (مؤسسة أمان[6])، وبالتالي يتطلب معالجته وجود استراتيجية وطنية، هذا برغم ان الصحة ليست مستهلكة تماما للموارد إنما هي تغطي جزءا من احتياجاتها في ظل النظام التقليدي القائم.
ولنطور نظاما صحيا شاملا وعادلا لتحقيق الحق في الصحة والذي اذا ما أعيد النظر فيه باتجاه نظام صحي يربط التأمين الصحي بالخدمة الصحية يمكن ان يحقق وفرا في الواردات يسهم في عملية التطوير الدائم للبنية الأساسية ولنوعية الخدمة نوصي بما يلي:
  1. أن تشرع الحكومة بمشاورات وطنية مع المؤسسات والهيئات الحكومية وغير الحكومية ذات الصلة في الضفة الغربية وقطاع غزة لبناء استراتيجية وطنية لتوطين الخدمات الطبية في فلسطين.
  2. وضع خطة عملية للاستغناء التدريجي عن عملية التحويلات الخارجية بما يضمن توطين الخدمة، بحيث لا يحرم المرضى الذين لا يتوفر لهم العلاج في مستشفياتنا المحلية من ضمان حقهم بالعلاج.
  3. إعادة النظر في نظام التحويلات كجزء من إعادة النظر في النظام الصحي القائم بشكل عام. بحيث تكون الوجهة توطين الخدمة في المستشفيات الفلسطينية والحكومية بشكل أساسي مع وجود للمؤسسات الأهلية والقطاع الخاص كداعم ومكمل للنظام الصحي الحكومي وليس بديلا عنه.
  4. العمل على سن قانون عادل وشامل وإجباري للتأمين الصحي يخلي طرف الحكومة من إدارته المباشرة ويعطيها حق المراقبة عليه.
  5. لا بد من وقف التحويل إلى مستشفيات دولة الاحتلال والاستعاضة عنها بالتحويل إلى الدول العربية المحيطة كبديل عملي عن هذه المستشفيات وخصوصا في الحالات الممكن علاجها في الأردن ومصر بشكل خاص.
  6.  لا بد من توحيد أسعار الخدمة الصحية في القطاعات الأهلية والخاصة والحكومية في ضوء نظام تأمين صحي قائم على معايير العدل والإنصاف بحيث يضحي التنافس لا على الكلفة بل على جودة الخدمة.
  7. يجب توطين الخدمة الطبية عن طريق الدفع بمزيد من الاستثمار في القطاع الصحي أفقيا وعموديا سواء على صعيد تطوير الكادر البشري او على صعيد تطوير التجهيزات والمباني، بما يؤكد ما نص عليه دستور منظمة الصحة العالمية وما نص عليه قانون الصحة العامة من ان الصحة ومباشرة تقديم خدمتها هي من مسؤولية الحكومة.
  8. وحتى يتم إعادة النظر في النظام الصحي لا بد من اعتماد نظام نزيه وشفاف في التحويلات الطبية، ومحاسبة كل من تثبت عليه تهم الفساد في هذا القطاع.

مقالات ذات صله